الموهوب الحقيقي لا يغش أبداً !

  • — الثلاثاء نوفمبر 01, 2016

كلمة “موهوب Talent” أصبحت كلمة باهتة بسبب الإفراط الشديد في استخدامها، في هذه الأيام، يبدو أن كل من يستطيع البقاء على كرسيه دون أن يسقط منه على الأرض يعتبر “موهوباً”.

لقد أصبح الإفراط في استخدام الكلمة منتشراً على نطاق واسع لدرجة أنه بات من الصعب توظيفه لوصف شخص استثنائي فعلاً، ولهذا السبب أجد نفسي في كثير من الأحيان مضطراً إلى استخدام عبارات مثل “موهب فعلاً” أو “موهبة حقيقية”، وفي معظم الأحيان لا أميل ببساطة لاستخدام كلمة موهب على الإطلاق.

وبصفتي مهتماً أكثر بالتركيز على الأداء، فإن أفضل من تنطبق عليه كلمة “الموهوب” هو الشخص الذي يحقق أداءً استثنائيا، ولوصف هؤلاء غالبا ما استخدم عبارة “ذوي الأداء فوق متوسط” وذلك من أجل التمييز بينهم وبين ما يسمى بالأغلبية “الموهوبة”، علماً أن ذوي الأداء الاستثنائي يحبون عادة العمل مع أشخاص آخرين استثنائيين أيضاً.

ذوي الأداء دون المتوسط أو المتوسط هم الأكثر ميلاً للغش

كما يتبين من عنوان هذا المقال، الموهوب الحقيقي لا يغش لأنه ببساطة ليس مضطراً لذلك، كلنا نخطئ، ولكن بعض الأشخاص سيغشون عمدا عندما يعلمون بأن موقفهم بات سيئاً في حلبة المنافسة، الرياضيين الأولمبيين، بالرغم من أنهم يمتلكون مستوى من المواهب، إلاّ أنهم مع ذلك يلجؤون إلى العقاقير (المنشطة) لتحسين الاداء عندما يشعرون بأنه لم يعد لديهم ما يكفي من الموهبه لتحقيق الفوز.

وبالرغم من أن الرياضيين المحترفين في أي رياضة، يعرضون أنفسهم لعقوبات نتيجة لبعض الأخطاء غير المقصودة، وأيضاً يتعرضون للعقوبات بسبب المخالفات المتعمدة التي يرتكبونها لأن أداؤهم كان دون المطلوب أو لأن منافسيهم قد تفوقوا عليهم؟

الساعين إلى المستويات العالية من الأداء لا يحتاجون إلى “التجمل” (الكذب) في سيرهم الذاتية ويصفون الكيفية التي يؤدون بها عملهم، كما أن المديرين والقادة الحقيقيين لا يضطرون أبدا إلى البحث عن الأعذار لتبرير أدائهم السيء لأنهم بالفعل أدوا واجبهم على نحو فعال.

الغشاشون لا يزدهرون أبداً في عالم مثالي، ولكننا اليوم نعيش في عالم معيب، فما وراء “الحيل” العلنية في الإنترنت، والبريد الإلكتروني، والتسويق عبر الهاتف وخدمات التوصيل من الباب إلى الباب أصبحنا جميعا لسوء الحظ معرضون لمستويات مختلفة من الغش نتعرض لها في حياتنا اليومية، سواء الخاصة أو في حياتنا العملية، ومع انه لا يمكننا أبدا القضاء على الغش، إلاّ أنه من الأهمية بمكان أن لا نقبل به وأن نتسامح معه، وأن لا نبرر للغش الذي نرتكبه نحن لمجرد أن “الجميع يفعل ذلك”.

في المثل الذي ضربته عن الرياضيين الأولمبيين، الهدف، والنظام، سينهار إذا ما قرر الجميع أن الغش هو السبيل الوحيد للتنافس مع الغشاشين الذين يلجؤون إلى المنشطات، ولن يكون هناك أي معنى للمنافسة لو كانوا يتّبعون عقلية “إذا لم تتمكن من التغلب عليهم، فانضم إليهم”، وما لا يدرك جله لا يترك كله.

وفي الوقت نفسه، الغشاشون لا يمكنهم على أي حال الإفلات بفعلتهم عندما يغشّون، قد ينجح بعضهم في الإفلات لفترة، ولكن معظمهم لا يستطيعون، فالناس والمنظمات الذين يتعرضون للغش سيتوصلون بالتأكيد إلى طريق تجعل الغش أكثر صعوبة، والذين يعملون بجد واجتهاد لتطوير وتعزيز قدراتهم في الأداء، لن يقبلون أبدا بالغشاشين الذين يختارون الطريق الأسهل.

لماذا تختار المنظمة توظيف الغشاش بدلا من صاحب الأداء العالي؟ ولماذا يجب على الموظف صاحب الأداء العالي أن يتطلع إلى العمل لدى المدير الذي يغش؟

هل تعتقد أن هذا تعاون بين أعضاء الفريق، وأن أداءهم سيكون أمرا استثنائيا عندما يكون هناك واحد أو أكثر من الغشاشين في صفوفهم؟ هل الناس يحبون أن يشتروا من المنظمات التي تغشهم ؟ وهل ترغب المنظمات في بناء علاقات تجارية مع المنظمات الأخرى التي تخادعها؟

بكل تأكيد كلا، وخاصة البعض منا الذين يركزون اهتمامهم على تحقيق نتائج الأداء الفعلي. فالـ  “الغش خيار وليس خطأ”.

 التفاعل التسلسلي للغش

كثيرا ما أحاول أن أكتب بشكل إيجابي عن كيفية التعرف على ذوي الأداء الأفضل، وكيفية تحديد العميل الممتاز للمنظمة، وكيفية تحديد ذوي الأداء الضعيف والمنظمات السيئة والابتعاد عنهم.

من المهم العمل مع الأشخاص الذين يعتمدون على الأداء، ليس لأن هذه عملية مربحة وحسب، بل هو أمر ممتع ودعوة للتحدي، ولحسن الحظ، فنتائج الأداء تستحوذ على الاهتمام الأكبر لدى الغالبية العظمى من العملاء، ولكوني شخص انتقائي، فعادة ما اكون قادراً على تجنب التجارب المحبطة (والمكلفة)، والتي نشهدها غالباً عندما نعمل مع أشخاص لا يهتمون بأدائهم ولا بأداء الذين من حولهم. وبكل صراحه، أنا لا أحب إطلاقاً التعامل مع من أعتبرهم يحتلون “الدرجات الدنيا في سلم الأداء” – وهم الغشاشون.

عندما يتم السماح بالغش، دون أن يترتب عليه أية عواقب، فإنه يفتح الباب أمام تفاعل تسلسلي لضعف الأداء داخل المنظمة.

وفيما يلي بعض النقاط التي أرجو أن تجدها قيِّمة فيهذا المجال :

  1. الغشاشون لن يغير سلوكهم إذا سمحت لهم بالإفلات من العقوبات

عند مواجهة الغشاش بفعلته، لن يقدم أي رد أو تفسير لما فعل، وهذا يبين أن الغشاشين كانوا علم بأن ما كانوا يفعلون كان خطأ، فهم لا يشعرون بالقلق إزاء أية عواقب يمكن أن تترتب على أفعالهم غير اللائقة، وبالتالي ليس لديهم نية لتغيير سلوكهم. والغشاشون، لو تركتهم دون عقاب، فسيستمرون في الخداع كلما وجدوا أن ذلك يخدم ذلك الغرض، وعادة ما يستمر السلوك السلبي دون معالجة، ومن المرجح أن يصبح أكثر تكرارا، ونتيجة لذلك، ينبغي طرح السؤال: “إذا كانوا يحاولون الاستفادة مني، وأنا الشخص الذي يحاول مساعدتهم بطريقة نظاميه، فمن هم الذين يخدعونهم غيري؟”

إذا أصبح الغش مقبولاً وأكثر تواترا فمن المنطقي أن نقول أنه سيكون له تأثيراً أكبر اعتمادا على مقدار التفاعل الذي يتمتع به الغشاش في علاقاته داخل المنظمة وخارجها، مع العلم أن المعلومات (والسلوكيات) السلبية ستنتشر بين الناس بوتيرة أسرع بكثير من تلك الإيجابية، والغشاش الذي يتفاعل مع الزبائن الخارجيين والموردين والجمهور يقدم صورة سلبية بشكل متزايد عن المنظمة، وداخليا، الغشاشون من ذوي الأداء السيء يعطون انطباعاً بأن الغش- وليس الأداء المخلص- وسيلة مقبولة للعمل، وبالتالي يتسبب هذا في الواقع في تشجيع الأداء دون المستوى المطلوب.

إذا كان الأداء مهم بالنسبة لقادة المنظمات، فعليهم أن يعلمون بأنه من المهم جدا بالنسبة لهم معالجة الغش والقضاء عليه فوراً.

 

  1. القادة الذين يتسامحون في الغش لا يقومون بمهاهم القيادية

القادة والمديرين الموهوبين فعلا يبذلون كل المحاولات الممكنة لمعالجة وحل المشاكل التي يتم تقديمها لهم، وافتقار الرئيس للنشاط يدل على قدرته القيادية المتواضعة، وهناك عنصر أساسي في القيادة الفعالة وهو المحاسبة، ولكن هذا لا يقتصر على محاسبة الآخرين فقط على أفعالهم، بل يخضعون هم أنفسهم أيضا للمحاسبة من أجل إنجاز الأعمال كما ينبغي.

علينا أن لا ننسى أن طبيعة مسؤوليات أي رئيس للمنظمة لها تأثير داخلي وخارجي واسع النطاق، لذلك أي قصور في الأداء من الطبيعي أن يكون له تأثيره السلبي على نطاق أوسع.

  1. أنت شخص جيد مادام الأشخاص من حولك جيدين

كما أسلفت، في الحالات التي يضطلع فيها الغشاش بدورا بارزا، يمكن لأعضاء المنظمة الآخرين أن يفترضوا خطأ بأن التسامح مع سلوك الغش يعتبر أمراً مقبول، وهو ما يفتح لهم الباب على مصراعيه ليمارسوا الغش هم أيضاً.

الغشاشون يصنعون قدوة سيئة، وسيجد الموهوبون الذين يحيطون أنفسهم بالمديرين والأقران الموهوبين، أن الغشاشين أشخاص بغيضين وسيغادرون المنظمة لبيئة أكثر ملائمة، وسيتركون وراءهم الغشاشين، والذين يتسامحون معهم، بسبب مواقفهم الكلية، وهو من شأنه تسهيل انتشار ثقافة عامة قوامها الغش والخداع.

من وجهة النظر القيادية، فالأداء القيادي الفعال يحدث عندما يمتلك الفرد الخصائص اللازمة للقيادة، حيث يستخدم هذه الخصائص في السلوكيات القيادية المناسبة، ولديه القدرة على تسهيل التغيير الثقافي من أجل ضمان أن المبادرات التنظيمية الخاصة بهم ستستمر مع مرور الوقت.

  1. الأمر كله يتلخص في غياب المساءلة .. أليس كذلك؟

يتمنى المرء أن ينكسر التفاعل التسلسلي للغش، ولكن يجب أن هناك رغبة داخلية للناس لإخضاع أنفسهم والآخرين للمحاسبة على أفعالهم. ولأن الغياب شبه التام للأداء سيدفع مجلس الإدارة (أصحاب القرار) إلى محاسبة الرئيس، الذي إذا بقي في منصبه، يجب أن  يلجأ إلى القضاء على الغش أو على الأقل محاسبة الغشاشين حتى يقدموا أداء عالي، أو ربما يقوم عملاء المنظمة بهذه المهمة، لكونهم غير راضين عن الأداء الضعيف للمنظمة. وعلى أية حال، إذا استمر غياب المحاسبة، فإن المنظمة ستسير في الاتجاه السلبي بكل تأكيد.

 ختاماً .. حاجة المرء إلى الغش مؤشرا على أن قدراته في الأداء منخفضة، كما يدل على وجود ثقافة تنظيمية تسمح بأي درجة يمكن أن تتوقعها من الغش وهو ما يقود عادة إلى تدني واضح في نتائج أداء المنظمة، فإذا التقيت بشخص قادم من منظمة ذات أداء سيء، فاطرح عليه أسئلة محددة للتأكد مما إذا كان موهوباً حقا وهو بالفعل من ذوي الأداء العالي ويحاول أن ينفذ بجلده من تلك المنظمة البائسة، أو ربما كان من ذوي الأداء دون المستوى المطلوب الذي يحملون معهم “العقلية التي تتقبل الغش” والتي سيحملها معه إلى منظمتك.

أحيانا علينا أن نتعلم قدر الإمكان من التجارب السيئة، تماماً كما نستفيد من التجارب الإيجابية، من جهتي، كنت محظوظاً للغاية للعمل بشكل حصري تقريبا مع قادة موهوبين حقا ومديرين وموظفين يساهمون في المنظمات ذات الأداء العالي ويرغبون في تحقيق مستويات أعلى من الأداء.

العمل مع الغشاشين شيء دخيل وغير مألوف جدا بالنسبة لي، وذلك بسبب ما يترتب عليه من إحباط ومضيعة للوقت، أريد أن أفر من هؤلاء فراري من الأسد. وأنت أيضاً .. من الحكمة أن تطلق ساقيك للريح إن رأيتهم.

الكاتب : جيم جيلكريست، وهو الرئيس التنفيذي لشركة CAES لخدمات التوظيف – المديرين والأفراد و تحسين  الأداء التنظيمي

المصدر: www.linkedin.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*