معنى المؤسسة الرائدة ؟

  • — السبت مارس 11, 2017

القيمة، والتعلم، والثقة وخلق قيمة موسعة مع المنظومة البيئية

الكاتب: سيمون سيسيرو

هناك وكالة رقمية صغيرة (IQUII) في روما تحقق معدلات نمو مضطرة، وقضيت يوم بين فريق العمل أثناء تأديتهم لبعض الأعمال لكي أتعرف عن قرب على ثقافة هذه الوكالة. لقد تمكنت الوكالة من أن تطور وعياً ثقافياً قوياً، حتى أنها عملت على ترسيخه في شفرة ثقافية culture code، وهي واحدة فقط من مئات المؤسسات التي قررت أن تكتب شفرتها الثقافية الخاصة : وهذه الشفرات هي في كثير من الأحيان ليست أكثر من إعلان للنوايا، والجهد المبذول يهدف للتعريف بالقيم الأساسية التي تجعل من التراث الثقافي الذي يكمن في قلب مؤسستك أكثر وضوحا. إنه جهد يستحق المحاولة.

لقد شاركت مرات عديده في المناقشات والأنشطة المتعلقة باستكشاف الثقافات والقيم الجوهرية الخاصة بالمنظمات الناشئة، “واستطيع ان اقول ان بعض العناصر الثقافية _ التي يمكن أن تجدها في الواقع أيضا في الشفرة الثقافية لهذه الوكالة IQUII _ يتردد صداها بقوة بين السياقات الأكثر ابتكارا في يومنا هذا، وفي السياقات التي أجد نفسي في كثير من الأحيان واثقاً ومزدهراً عند العمل: هذه العناصر الأساسية للثقافة تربط معظم المنظمات التي تهز عالم الأعمال في عصرنا الحاضر.

العناصر الثقافية التي تسهم في تمكين وازدهار المنظمات

أولا وقبل كل شيء، هذه المنظمات الإبداعية الحديثة هي تنطلق أساساً تنطلق من القيم: فهي لا تهتم بأي شيء لا ينتج قيمة ملموسة لعملائها وشركائها. وعلاوة على ذلك، تقوم هذه المنظمات على عقلية نمو قوية وهي تركز دائماً على الفضول والتعلم المستمر (كوسيلة للتحسين المستمر) من خلال التجريب المستمر، وكما قال أرون ديغنان ذات مرة، حينما قال متحدثا عن المنظمات سريعة التجاوب:

“وهذه الشركات عبارة عن آلات لا تفتر ولا تكل ولا تمل من التعلم. لديها تحيز شديد للعمل ومتسامحة مع المخاطر، ويتجلى ذلك في التجريب المستمر وتكرار المنتج. فهي تخترق المنتجات والخدمات معاً، وتعمل على اختبارها، وتحسينها، في غمار المنافسة التي لا تهدأ”.

المكون الأخير في المكونات الثقافية الثلاث هو الثقة: غالبا ما يطاله النسيان ويتم التقليل من شأنه، بينما في حقيقة الأمر الثقة هي أمر أساسي للتمكين بالنسبة لهذه المنظمات. ولا شك أن هذه المنظمات الحديثة والقادرة على التكيف في كثير من الأحيان لديها طريقتها المختلفة للتعريف عن نفسها: صديقي ستيليو فيرازيرا Stelio Verzera يستخدم في بعض الأحيان كناية تستخدم في جزر هاواي وهي كلمة أوهانا Ohana  لوصف مثل هذه المنظمة الحديثة فعلاً، وحسب ما جاء في ويكيبيديا، أوهانا هي الأسرة (بالمعنى الموسع للمصطلح)” حيث يكون الناس “مرتبطون ببعضهم البعض، وعلى الأعضاء أن يتعاونوا فيما بينهم، وأن يتذكروا بعضهم البعض” وهذا التشبيه مناسب بكل تأكيد.

الثقة هي العنصر الذي يساعد إلى تعزيز التعاون . وقد بدأنا ندرك وعلى نحو فعال- أكثر وأكثر – أن الذكاء التنظيمي لا يمكن أن يزيد إلا من خلال التعاون. كما يعبر عنه إيسكو كليبي ESKO Kilpi: “قدرة المجتمع على التعاون هي أساس الذكاء البشري”

بعض الصفات المتقدمة للمنظمات المزدهرة (“طرق تنظيم”) لا يمكن تطويرها إلا عن طريق التفاعلات، والمحادثات والتعاون بين الأشخاص من داخل المنظمة من (الموظفين والمتعاونين)، ومن خارج المنظمة (كالعملاء والموردين) والشركاء.

الاستخبارات الحديثة هي بطبيعتها نشاط اجتماعي وتفاعلي (يتم من خلال التعاملات) والمنظمات البيروقراطية التي تستخدم للتفكير في إطار المحددات والمنافسة غالبا ما تفشل في الحصول على الأحاديث الصحيحة عبر هذه الحدود.

في عصر ما بعد الصناعة، لا بد للمنظمات البيروقراطية أن تكون أقل ذكاء.

لماذا تتضايق من ثقافة الناس بينما يمكنك فقط تغيير العمليات من خلال نشر تقنيات التعاون؟

قال إندي جوهر مؤخراً أثناء مشاركته الأخيرة في مؤتمر في كوبنهاغن:

“كل إنسان هو عبارة آلة ذكية هائلة تتمتع بالقوة، ولكننا نعاملهم على أنهم بشر آليين سيئين لا يفهمون”.

المدراء العصريين ومصممي المنظمات يجب عليهم عكس هذه الجملة وفهمها فهماً عميقاً جدا، فكثيرا ما نعتقد أننا نستطيع تعديل مسار المنظمة ونجعلها أكثر قوة فقط عن طريق العمل على التقنيات المساعدة ، مثل هندرة أو إعادة هندسة عملية معينة أو الحصول على برنامج جديد. ونميل إلى الاعتقاد بأن التغيير في التكنولوجيا يمكن أن يؤدي إلى التغيير الذي تريد أن تراه في سلوك المنظمة: غير أن هذا خطأ فاضح. وأجد نفسي هنا مضطراً اقتباس مقولة صديقي ستيليو فيرزيرا Stelio Verzera مرة أخرى هنا، مع مخططه المدهش (التالي)، والمستوحى من ديناميات السوائل.

الشكل أعلاه يبين وبشكل واضح للغاية حقيقة لا نسمع عنها في كثير من الأحيان عندما يتعلق الأمر بجهود التحول التنظيمي (الرقمي) في المنظمات وهي أنه: يمكنك إدخال عمليات وتقنيات جديدة، والعمل على إيجاد كفاءات جديدة، ولكن التغيير المؤثر والأكثر ديمومة في مؤسستك يأتي من الإجراءات التي تقوم باتخاذها لمواءمة أهداف مؤسستك مع أهداف البيئة البشرية لديك، ومواءمة الوعي السائد في مؤسستك مع الوعي الذي يسود لدى الناس من حولك.

إن إيجاد السياق الذي يمكنهم من خلاله التعبير عن أنفسهم وبكلياتهم، وتحقيق أهدافهم في الحياة، وتحسين قدراتهم ومستويات أدائهم يمثل قدراً كبيراً من العمل الذي يتعين القيام به.

وخلاصة القول، التغيير سيتحقق لا محالة عندما تبدأ بالاستثمار في فهم وتشكيل سلوك الناس، ثم هم بدورهم سيقومون بتشكيل سلوك المنظمة.

التغييرات في مدى اهتمام مؤسستك بموظفيها وإعلائها من شأنهم والمحافظة عليهم ومساعدتهم على التطور، من شأنها أن يحقق تغييراً قوياً وأكثر ديمومة، سيصبح هؤلاء الناس الشركاء المساهمون في بناء ثقافة مؤسستك: وسيساعدون المؤسسة على تطوير كفاءات جديدة (من خلال الفضول، والمحادثات والعلاقات)، وفي نهاية المطاف، سيؤدي هذا إلى اعتماد عمليات وأدوات جديدة – تكنولوجية وتنظيمية على حد سواء – وهو أمر مهم للغاية بالنسبة لطريقتهم في التواصل وتنفيذ العمل القيّم.

ولكن لماذا يحدث هذا التغيير التاريخي في كيفية إيجاد القيمة داخل منظمات وخارجها؟

في المقام الأول يحدث لأنه ممكن. فالتكنولوجيا لديها مثل هذا التأثير المدهش في الانتقال بين العصر الصناعي وما نسميه العصر ما بعد الصناعي، وهناك اثنين من الآثار الرئيسية لتطور التكنولوجيا قاما بنقلنا من مفهوم الشركة باعتبارها وسيلة للسيطرة على الإنتاج لمفهوم جديد للشركة كوسيلة لتصميم ودعم التفاعلات.

أولا وقبل كل شيء، لأن التكنولوجيا ساعدت الأفراد في استعادة قدرتهم في الوصول إلى (وملكية) وسائل الإنتاج: في الوقت الحاضر الغالبية العظمي من العمل [المعرفي] يمكن القيام بها بمساعدة الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر، ولن تحتاج إلى أدوات معقدة بعد الآن.

وثانيا، ساهمت التكنولوجيا في تخفيض تكلفة توفير معظم البنى التحتية للعمل الحديث، وهي مكملة للوسائل الشخصية للإنتاج، وأنا هنا بطبيعة الحال أتحدث عن الاتصال، والقدرة على تخزين البيانات والقدرة الحاسوبية ولكننا وعلى نحو متزايد أيضا نرى بنى تحتية أكثر واقعية وقد تحولت إلى سلع وأصبحت متاحة للجميع في كل مكان، بما في ذلك الخدمات اللوجستية، والأدوات المالية، والقدرة على التصنيع وإنتاج الطاقة.

هذه العملية، بشكل خاص ساهمت في تسهيل التعاون بين الناس والإبداع على نطاق لم يسبق له مثيل وبمستوى غير مسبوق من التنسيق الذاتي، حتى دون التواجد في المكان نفسه، ودون يكونوا في نفس الموقع، وفي نفس الورشة أو حتى دون الانتماء رسميا إلى منظمة واحدة.

التكنولوجيا منحت الناس الوسائل اللازمة للتوفيق بين المصالح والدوافع ومن ثم تحقيق نتائج قوية للغاية، تاريخ البرمجيات مفتوحة المصدر – وفي الآونة الأخيرة – حالات ملموسة مثل إنشاء تقنيات سجل المعاملات المفتوحه الموزعة مثل Blockchain والـ  Bitcoin تعد من الأمثلة التي تجسد هذه الوسائل.

في المقام الثاني الطريقة التي نخلق القيمة من خلالها في المنظمات، هي متغيرة، لأنها مطلوبة: كما يتزايد الناس في العالم من خلال تزايد عدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ (هناك اختصار لذلك VUCA، متقلب، غير مؤكد، معقد، وغامض Volatile, Uncertain, Complex, and Ambiguous)، وهو واقع يملي على المنظمات أن تتطور نحو التكيف الجذري، فهذا السياق الجديد يتطلب منا إعادة التفكير وإعادة تصميم الهياكل التنظيمية لدينا وفقا لذلك.

العصر الصناعي من تايلور والعلوم الإدارية قدم لنا التنظيم المثالي للتعامل مع الكفاءة، والتكرار، والمراقبة والتخطيط: الهياكل الجامدة لبيروقراطية الشركات، والعصر ما بعد الصناعي الذي لا يمكن السيطرة عليه، ولا يمكن التنبؤ بمآلاته والذي (يتسم بشيء من الجنون)، يتطلب منا الآن إعادة النظر في نموذجنا القيادي في المنظمة: يجب على المنظمات الآن أن تتوافق مع الذيول الطويلة، والاحتياجات العابرة ووفورات النطاق، عليها الآن أن تتخلى عن التخطيط وتتبني القدرة على التكيف، والقابلية للتطوير والتجريب والتعلم، فاللاعبين الذين لا يجدون القوة اللازمة للشروع في التغيير، سيختفون تماما.

(في كل صناعة، خطوات القديم سريعه في الذهاب بعيدا من خطوات الجديد الذي يمكن أن يحل محله) بيث كومستوك Beth Comstock

هل من المنطقي أن نفكر في داخل وخارج المنظمة؟

في موضوع قام بنشره مؤخراً، نيلز فليجينغ  Niels Pflaeging  يصف الطريقة التي تعمل بها هذه المنظمات المزدهرة، فهناك ثلاثة هياكل تسمح للمنظمات “باستيعاب التعقيد”:

الأول هو الهيكل الرسمي، وعادة ما يعرف بالتسلسلات الهرمية للإدارة التقليدية، وهذا الهيكل هو بطريقة أو بأخرى من مخلفات الماضي: يتم الاحتفاظ به فقط لأنه يضمن الامتثال للقانون (يتحمل المسؤولية القانونية، ويتلقى الاستثمارات ويدفع حصص المساهمين، الخ …).

والهيكل الثاني، وفقا للسيد نيلز Niels Pflaeging هو الهيكل الاجتماعي، وهذا يستند معظمه على العلاقات والنفوذ والتفاعلات الاجتماعية: وهو متأصل في المنظمات منذ أن كانت التفاعلات الاجتماعية بطبيعتها موجودة، يمكنك مثلاً اقامة علاقات صداقة مع الرئيس التنفيذي للشركة وهذا سيمنحك في نهاية المطاف المزيد من النفوذ للتأثير على المنظمة.

الهيكل الثالث والأكثر إثارة للاهتمام الذي يشير إليه السيد نيلز هو هيكل خلق القيمة ويتعلق بكيفية تنظم المنظمة لنفسها عندما تحتاج إلى توفير قيمة مضافة للعملاء والمستخدمين.

” الهياكل التي تخلق القيمة يمكن تمثيلها على أنها شبكات من الخلايا تحتوي على فرق متكاملة وظيفيا، والتي تترابط من خلال تدفق القيمة، والمرتبات، وعلاقات التواصل، وفي الهيكل، كل خلية إما أنها تخلق قيمة لخلايا الشبكات الأخرى (في حالة المركز) أو للسوق الخارجي (في حالة المحيط)، والخلايا، أو الفرق، تستجيب لتأثير السوق – وليس للتسلسل الهرمي”.

وفي هذا السياق القيمة لا يتم إنتاجها فقط “داخل” المنظمات بل يتم إنتاجها على الطرف (الحافة) ما بين الداخل والخارج. وبالمناسبة، هناك علاقة دائما (داخلية كانت أو عبر الحافة) وهو نفس مفهوم الداخل مقابل الخارج في المنظمة، والذي بدأ الآن يفقد معناه وبات يفسح المجال لمفهوم المنظمات التي تختفي فيها الحدود وتتكون من العناصر المتباعدة.

وعلاوة على ذلك، هناك سؤالاً أساسيا: هل العلامات التجارية الرائدة الحديثة، في العالم مثل Airbnb  و Apple ، تقوم فعلاً بتعريف نفسها من خلال موظفيها؟ الجواب هو لا.

فبصمة أبل على العالم تمتد لتشمل عالماً بأسره من مطوري التطبيقات. والعلامة التجارية لـ Airbnb قد تم تجسيدها من قبل المضيفين لها، والإمكانات الإبداعية لأمازون التابعة لاليكسا أملتها الشركات التي تقوم الآن ببناء مهاراتها، ولا يوجد منهم من هو موظف مباشر لدى المنظمات المذكورة.

هناك شيء واحد لا يبدو أن السيد نيلز قد رآه بشكل كامل وهو أنه – على الأقل بالنسبة للمنظمات التي تسيطر على هذا القرن – خلق القيمة غالبا ما يتوسع على نطاق واسع جدا في النظم الإيكولوجية (البيئية) من خلال إنشاء منصات ولا تبقى محصورة في مجال العلاقات القوي التي يتشكل منها جسم المؤسسة (على سبيل المثال: الموظفين والمتعاقدين).

منسقين الشبكات هؤلاء (أو ما يسمى بالمؤسسات الرائدة) اكتشفت أنه يمكنها أن تصمم وسيلة للشراكة قابلة للتوسع (وتعمل على مواءمة هدف المنظمة مع العديد من الكيانات الأخرى)، وهذا يسمح بحدوث خلقلقيمة مباشرة داخل النظم الإيكولوجية للسوق، وبدعم ووساطة من المؤسسة الرائدة.

المنصات هي اتفاقيات للشراكة قابلة للتطوير على أساس رسالة التعبئة مشتركة.

بطبيعة الحال – إلى حد ما – الهياكل الرسمية لا يزال يُعول عليها في مساعدة المؤسسات في الالتزام بالقانون وتنفيذ ونقل رسائلها الخاصة : ولكن، وعلى نحو متزايد، فإن ما يحدد ذلك هو النظام البيئي للمنظمة بأكمله، وإذا لم تأخذ ذلك في الاعتبار عندما تعمل في منظمتك أو عندما تقوم برسم معالم مستقبل المنظمة، فأنت حينئذ لا تخسر فرصة لتضخيم مهمتك في تشكيل الأسواق، وتحقيق التأثير والتطور وحسب، ولكنك أيضا تعرض مؤسستك لخطر الزوال العاجل من السوق.

المصدر:

https://stories.platformdesigntoolkit.com/the-meaning-of-the-platform-organization-51cbab042106#.8j8sbcu3x

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*