“Pecking order” أو “ترتيب النقر”

  • — الجمعة يوليو 07, 2017

في عشرينيات القرن الماضي لاحظ عالم الحيوان النرويجي “ثورليف شجيلديروب” أن الدجاج الذي يعيش في مجموعات، يحكمه نظام اجتماعي هرمي، يتم خلاله ترتيب كل الطيور على حسب الهيمنة، حيث دائماً ما توجد بالمجموعة دجاجة لها الحق في نقر جميع الدجاجات الأخريات، ولكن لا يُمكن نقرها من أي دجاجة أخرى.

أما الدجاجة الثانية في الترتيب الهرمي، فيُسمح لها بنقر جميع الدجاجات إلا دجاجة واحدة (التي تسبقها في الترتيب)، وأيضاً لا يمكن نقرها إلا من قبل الدجاجة الجالسة على قمة الهرم، ويستمر الترتيب بهذا الشكل حتى يصل إلى قاعدة الهرم، حيث توجد دجاجة يستطيع الجميع نقرها ولكنها لا تملك نقر أي دجاجة.

تم توثيق هذه الظاهرة من قبل “ثورليف” لأول مرة في عام 1921 تحت المصطلح الألماني “Hackliste” وتم ضمها في عام 1927 إلى معجم اللغة الإنجليزية تحت مسمى “Pecking order” أو “ترتيب النقر”.

ومنذ ذلك الحين، غالباً ما يستخدم مصطلح “ترتيب النقر” أو ما يمكن وصفه بـ”التسلسل الهرمي” في تناول وشرح التقسيم الطبقي والتسلسل الاجتماعي في المجموعات الأخرى، بما في ذلك البشر.

لذلك في هذا التقرير سيتم تناول مفهوم “ترتيب النقر”، والذي يمكن الجزم بأن قلة قليلة جداً هي التي لم تقع تحت تأثير شكل من أشكاله في يوم من الأيام.

ما علاقة الدجاج بالطريقة التي تدار بها أغلب الشركات والمجموعات البشرية؟

في الأعمال التجارية، يوجد هناك صاحب الشركة، وهو الجالس على القمة في “ترتيب النقر” ربما يليه المدير ثم مساعد المدير، ثم الموظف الأكثر تفضيلاً من قبل الإدارة، وهكذا حتى نصل إلى الموظفين المؤقتين أو المتدربين، وهم الجالسون أسفل الترتيب، وتطالهم أيدي الجميع.

هذا التسلسل الهرمي شائع بشكل كبير في الأجهزة الحكومية، والوحدات العسكرية، بل يرى البعض أن “ترتيب النقر” موجود بنسب مختلفة في جميع المجموعات البشرية.

يرى العديد من الموظفين أن شركاتهم تتبنى ثقافة “ترتيب النقر” أثناء محاولتها اختيار القادة، حيث إن المديرين يستخدمون كل الوسائل الممكنة سواء كانت أخلاقية أم لا لمعرفة الشخص المؤهل وفق هذه النظرية.

في المقابل، وجدت الشركات الكبرى أن هذه السياسة تؤدي إلى تأليب الموظفين ضد بعضهم البعض، وهو ما يضر في نهاية المطاف بنتائجها المالية، لذلك قررت اعتماد نهج بديل لـ”ترتيب النقر” قائم على التواصل.

“ترتيب النقر” كثقافة

في عام 2015 ألقت سيدة الأعمال والكاتبة الأمريكية “مارجريت هيفرنان” واحدة من أشهر محاضرات “تيد إكس” تحت عنوان “لماذا هذا هو الوقت المناسب لننسى ثقافة “ترتيب النقر” في العمل”، حاولت خلالها تسليط الضوء على أهمية الاتصال الاجتماعي في مقابل ما سمتها ثقافة “الدجاج السوبر”.

قالت “هيفرنان” إن معظم المؤسسات وبعض المجتمعات تمت إدارتها على مدار الخمسين سنة الماضية، وفق نموذج “الدجاج السوبر” حيث يعتقد البعض أن النجاح يأتي باختيار اللامعين الأذكياء وإعطائهم كل الموارد وكل النفوذ، ولكن النتيجة كانت دائماً: عدوان واختلال في الوظيفة وهدر للموارد.

حدث ذلك بسبب أن ثقافة “ترتيب النقر” جعلت الجميع يعتقد أن الطريقة الوحيدة للنجاح هي من خلال قمع الآخرين، وهو ما دفعهم إلى استخدام سلطتهم لخدمة أنفسهم على حساب الجميع، مما أدى إلى خلل وظيفي.

المشكلة في هذه الثقافة أنها تعزز الخوف والسيطرة وتمنع الابتكار، حيث دائماً ما يحرص الموظفون على إبداء آرائهم فقط حين يشعرون أنها تتفق مع وجهة نظر الجالسين أعلاهم في التسلسل الهرمي، خوفاً من أي رد فعل عكسي.

يحاول بعض الموظفين تغيير ثقافة الشركة، ولكنهم يدركون لاحقاً صعوبة الأمر، لأن تلك الثقافة متغلغلة في الهيكل الإداري للمنشأة بالكامل، لذلك يقوم الذين يتمتعون بخبرة جيدة منهم بترك الشركة والانتقال إلى بيئة عمل صحية حيث يمكنهم التركيز على تطورهم المهني بدلاً من الصراعات الداخلية.

هل يوجد بديل؟

في ذات المحاضرة أشارت الكاتبة الأمريكية إلى دراسة أجراها فريق من “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” حاول خلالها الإجابة عن السؤال التالي: ما الذي يجعل بعض المجموعات أكثر نجاحاً وأكثر إنتاجاً من الأخرى؟

أحضر الفريق المئات من المتطوعين وتم تقسيمهم في مجموعات وإعطاؤهم مشاكل صعبة جداً لحلها. والنتيجة أن بعض المجموعات كانت أكثر نجاحاً من أخرى، ولكن المثير للاهتمام هو أن المجموعات المتفوقة لم تكن تلك التي لديها شخص أو شخصان يتمتعان بنسبة ذكاء عالية وخارقة، بل كانت التي تتمتع بنسبة ذكاء إجمالي أعلى.

تميزت المجموعات المتفوقة بثلاث خصائص. أولًا، أظهروا درجة عالية من التعاطف الاجتماعي نحو بعضهم البعض. ثانياً، أعطوا وقتا متساوِيا لبعضهم، حيث لم يهيمن صوت واحد على النقاش. وثالثاً، كان بين المجموعات الأكثر نجاحاً عدد أكبر من النساء.

يمكن القول إن مفتاح تفوق تلك المجموعات هو الترابط الاجتماعي بين بعضهم البعض، وهو أمر من المستحيل وجوده في البيئات التي تتبنى فلسفة “ترتيب النقر”، لأنه ببساطة ضد جوهرها وبنيتها الأساسية.

الآن، عندما يتم وضع كل هذا معاً، ينتج ما يسمى برأس المال الاجتماعي، وعادة ما يحرص الموظفون في الشركات التي تتمتع برأسمال اجتماعي قوي على تحفيز بعضهم البعض، من خلال التحدث والتواصل فيما بينهم بشكل مريح، لذلك يميلون عادة إلى البقاء لفترة أطول في الشركة.

ورغم كل ما سبق، يوجد هناك بعض الأشخاص الذين يفضلون نظام “ترتيب النقر” لأنه بالنسبة لهم أسهل وأكثر وضوحاً وأكثر قابلية للتنبؤ!

المصدر : أرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*