موظفوك هم الحل!

  • — السبت ديسمبر 16, 2017

 (ھذه الخلاصة من كتاب : عذراً.. لقد دمرت مؤسستك! عندما یصبح الاستشاريين ھم المشكلة لا الحل لكارین فیلان، وهي موجھة إلى المكاتب الاستشارية، وللمؤسسات التي تستعین بھم، ولأي شخص سئم من التظاھر بأن الممارسات الإداریة الحدیثة ناجحة وفعالة)

موظفوك هم رأسمالك

تزایدت النظریات والأسالیب الإداریة على مدار العقدین المنصرمین، وفرضت نفسھا بقوة على المؤسسات باعتبارھا أفضل الممارسات التي یمكن تطبیقھا لتحقیق الأھداف المؤسسیة، كتحسین الكفاءة، وتوحید المھارات، ورفع مستوى الأداء.

وأبرز الأسالیب الإداریة المطبقة الآن في عالم الأعمال ھي: بطاقة الأداء المتوازن، والأجر مقابل الأداء، وتطویر إمكانات أصحاب المھارات، والاستراتیجیة التنافسیة. كل ھذه الأسالیب منتشرة ورائجة جداً رغم قلة الأدلة التي تثبت نجاحھا وفاعلیتھا مثلما یزعم كثیر من الخبراء. حيث تھدف ھذه الأسالیب والنظریات إلى نزع السمة الآدمیة من بیئة العمل؛ فالبشر في إطارھا یعامَلون باعتبارھم آلات یجب الاستفادة منھا إلى أقصى حد وحتى تتعطل نھائیاً عن العمل، أما المھارات الفردیة المتمیزة لكل منھم فلا وزن لھا في ھذه المنظومة.

لطالما دفعَنا خبراء الإدارة إلى الاعتقاد بأن العمل في أیة مؤسسة ھو عملیة منطقیة مجردة تُدار بالأرقام، وأن النماذج والنظریات التي یطرحونھا تمكننا من تحقیق النجاح لو نفذناھا بحذافیرھا خطوة بخطوة. تعمل المؤسسات بالفعل على تطبیق تلك النماذج، وتعتمد في صناعة قراراتھا على الأرقام فحسب، ومع ذلك لا تحقق أبداً النجاح المنشود، فطریقة سیر الأعمال لیست منطقیة إلى ھذا الحد.

للأسف ینسى واضعو تلك النظریات أن رأس المال البشري لیس جزءاً من العمل وحسب، بل ھو العمل بأسره، فإذا خسرتَه خسرتَ معه مؤسستك، فلا یتبقى لدیك إلا مجموعة من المكاتب والمعدات الصماء. الواقع الذي ینساه أغلب مستشاري الإدارة أن المؤسسات تعتمد بالكامل على العنصر البشري الذي یتصرف بشكل لا منطقي وعاطفي وغیر متوقع ومبدع ومبھر، بل في بعض الأحیان یكون لدیك موظفون غایة في البراعة والذكاء لدرجة تمنعھم من العمل طبقاً للنظریات المفروضة علیھم والتي تقیِّد أداءھم.

كیف إذن ندیر كل ھذا الزخم الإنساني بالمنطق فقط؟!

التخطيط الاستراتيجي لا يتنبأ بالمستقبل

مشكلة الخطط الاستراتیجیة أنھا تعتمد على قدرتك في توقع المستقبل، وھذا ھو سبب تراجع أداء شركات التسعینیات التي لطالما اعتمدت على ھذه الخطط. إذا رجعت إلى أي كتاب عن إدارة المؤسسات والأعمال یعود إلى عقد مضى ویسوق أمثلة عن الشركات الناجحة آنذاك، ستجد أن نصف تلك الشركات على الأقل لم یعد یقدم أداءً جیداً في الوقت الحالي.

تعتمد الخطط الاستراتیجیة على قدرتك في وضع توقعات دقیقة للظروف الاقتصادیة للسوق، والتغیرات المستقبلیة، والسلوكیات التنافسیة، ورغبات العملاء. ھذا بالطبع یكاد یكون مستحیلاً؛ لأنه لو كان ممكناً لاستطاع خبراء وفطاحل الاقتصاد على مستوى العالم أن یتوقعوا الأزمة المالیة التي حدثت عام 2008 ، لكن أحداً لم یفعل ھذا. ومع ذلك، ما زال ”توقع المستقبل“ ورسم خطة بناءً على تلك الرؤیة المستقبلیة ممارسة متبعة في كثیر من المؤسسات.

الخطوة المعتادة لبلورة رؤیة مستقبلیة ھي الاستعانة بمستشار إداري أو أكثر لإجراء كثیر من الأبحاث عن مجال عمل المؤسسة والاتجاھات السائدة والجدیدة فیه، ثم تقدیم تقریر نھائي بنتائج البحث. بعد ذلك یعقد المستشارون جلسة عصف ذھني مع مجموعة صغیرة من قادة المؤسسة لوضع خطة شاملة ذات أھداف استراتیجیة تعتمد على نتائج البحث. حالما تصاغ تلك الرؤیة بشكل واضح، تصبح مھمة القادة حث بقیة المؤسسة على الإیمان بھا وتبنیھا، بعد ذلك یعمل فریق الإدارة على التأكد من اتخاذ المؤسسة كل الإجراءات التي تؤدي إلى تحویل تلك الرؤیة إلى واقع ملموس. في ھذه الحالة تحتاج المؤسسة توجیه كل مواردھا لتحقیق ھذا الھدف، ولا یمكنھا الانشغال بأي أمر آخر قد یقتطع جزءاً من تلك الموارد.

تفلس المؤسسات ویفقد الموظفون أعمالھم بسبب ھذا الأسلوب في التفكیر، فھذه بالتأكید لیست الطریقة المثلى للتخطیط لمستقبل مؤسسة ما.

التخطيط – لا الخطط – هو المهم

المشكلة ھنا أن أغلب الناس آمنوا منذ زمن بفكرة الخطة الاستراتیجیة المعتمدة على توقع المستقبل، واعتبروھا الحل الأمثل لكل مشكلات مؤسساتھم.

قیمة الخطة في حد ذاتھا محدودة، لكن عملیة التخطیط نفسھا ھي ما تضیف قیمة إلى المؤسسة؛ فالتعرف على الاتجاھات السائدة والجدیدة، والسیناریوھات الاقتصادیة المختلفة، ونقاط قوة وضعف المنافسین، وآراء العملاء، ھو ما یثري رؤیة وحكمة صناع القرار في أیة مؤسسة. تجعل تلك المعرفة قادة الأعمال أكثر براعة وقدرة على التصرف في المواقف المختلفة، وعلى معرفة الفرص الجیدة واقتناصھا.

یوسِّع التخطیط أفق المرء، بینما یحد اتباعھ للخطط من قدرتھ على التفكیر. في النھایة، الھدف الرئیسي من وضع أیة استراتیجیة ھو صقل المھارات الفكریة للموظفین، لا كبتھا.

تتفاقم المشكلة عندما تستعین غالبیة المؤسسات بمستشارین من خارجھا لإجراء التحلیلات ورسم الخطط، فتتبدد كل المعرفة والمعلومات التي تم جمعھا خلال عملیة البحث حالما ینتھي المستشارون من عملھم ویغادرون المكان. وبدلاً من رفع وعي وخبرة العاملین بالمؤسسة، یصبحون مجبرین على التعامل مع ملف نظري مكون من عشرات الصفحات عن الخطة المنشودة، والذي لا یھتم بالاطلاع علیھ إلا قلیلون، ناھیك عن محاولة فھمه.

یجب ألا یكون الھدف وضع خطة لینفذھا الموظفون، بل یكون اكتساب المعرفة والحصافة اللازمتین للتصرف بالشكل الملائم مع عالم سریع التغیر وفي إطار إمكانات المؤسسة، بھذه الطریقة عندما تظھر فرص جدیدة، یستطیع الموظفون تمییز الغث منھا من الثمین. مشكلة الخطط الجاھزة أنھا لا یمكن الاعتماد علیھا أبداً للتعامل مع الفرص غیر المخطط لھا التي قد تظھر في أي وقت وأي مكان. بعض تلك الفرص قد یكون الوسیلة التي تحقق بھا المؤسسة النجاح في المستقبل. ھذا ما حدث مع ”میكروسوفت“ و”أبل“ و”جوجل“، كلھا مؤسسات اضطلعت بالریادة في السوق، لیس بتوقع المستقبل، وإنما بتمییز الفرص الجیدة واقتناصھا بالشكل المناسب.

رغم أن اقتناص أفضل الفرص یتطلب الاستعانة بأكبر عدد ممكن من الموظفین، تصوغ غالبیة المؤسسات استراتیجیاتھا بالاستعانة بمجموعة قلیلة للغایة من أفرادھا، الذین عادةً ما ینتمون إلى فریق القادة، وغالباً ما لا یكونون على احتكاك حقیقي ومباشر بالعملاء أو المنافسین، ولا یعرفون الكثیر عن الاتجاھات السائدة في السوق.

على الجانب الآخر، یعتبر الموظفون ھم الأقدر على تقدیم ثروة من المعلومات والبیانات عن السوق والعملاء وحتى الشركات المنافسة – فبعضھم على الأرجح عمل فیھا من قبل – وبالتالي من المھم إشراكھم في عملیة وضع الخطط والاستراتیجیات.

إن تبادل المعلومات عبر المؤسسة بأسرھا عن قیمھا وإمكاناتھا، ومشروعاتھا الناجحة والفاشلة، ورغبات عملائھا، وتقنیاتھا الجدیدة، ھي مسألة مھمة وضروریة لعملیة صناعة القرار. یحتاج العاملون في أیة مؤسسة معرفة كل الأمور السابقة لتمییز الفرص الجیدة والتعامل معھا.

ھذا ھو جوھر التخطیط الاستراتیجي – وضع الأسس المطلوبة لاتخاذ قرار حصیف وسلیم.

فكِّر ولا تستعِن بالاستشاريين

من الأسھل أن تعمل مع موظفیك وفقاً للطبیعة البشریة، لا ضدھا، بینما یسعى مستشارو الإدارة إلى دفع البشر للعمل كآلات، والتصرف بشكل مناقض لطبیعتھم البشریة، ومن نفس المنطلق غالباً ما یرى المدیرون أن سبب فشل مبادراتھم الإداریة ھو افتقار موظفیھم للنظام.

إن البشر الذین سافروا إلى الفضاء، وابتكروا الإنترنت، وأبدعوا أفلام الرسوم المتحركة، وغیرھا من الابتكارات والإبداعات، غیر قادرین على العمل كالآلات واتباع الأوامر بدقة، ولا یمكنھم التفكیر بعقلانیة طیلة الوقت؛ ھذه ھي الطبیعة البشریة. لذلك، بدلاً من انتزاع صفة الآدمیة من مكان العمل، یجب تنمیة الروح الإنسانیة في المؤسسات إلى أقصى درجة ممكنة.

على الرغم من أننا نوجِّه كثیراً من اللوم إلى مستشاري الإدارة على فشل المؤسسات في إدارة موظفیھا، فإن المؤسسات نفسھا تتحمل قدراً من اللوم، لأنھا تستعین بأولئك المستشارین كي یفكروا بالنیابة عنھا، أو یطوروا استراتیجیاتھا، أو یعیدوا ھیكلة نظام العمل فیھا، أو یحددوا جدوى صفقة استحواذ، لتجد في النھایة أن أشخاصاً لا یعرفون أي شيء عن مؤسستك ھم من یتخذون القرارات المھمة بالنیابة عن قادتھا والعاملین فیھا.

تعتبر خطوة تغییر تفكیرنا ھي أصعب وفي نفس الوقت أسھل ما یمكننا فعله كي لا نلجأ إلى مستشاري الإدارة! وحتى تحقق ھذا الھدف، نقدم لك تمریناً لمساعدتك على التفكیر دون الاستعانة بھم، مع الخروج من سیاق الھوس بالموضات الإداریة الجدیدة، لتؤسس نموذجاً ناجحاً لبیئة عمل صحیة وصحیحة.

موظفوك هم الحل

یجب أن تفكر دائماً في النتائج المترتبة على منھجیة أو ممارسة أو حل جدید قبل الشروع في تطبیقه، فلا یعني تطبیق المؤسسات الأخرى له أنه بالضرورة سلیم وناجع ویصلح لجمیع المؤسسات.

ربما تشعر أن بدء العمل من الصفر أمر مرعب للغایة، لكن ما دمت تملك فریق عمل متعاوناً، اعلم أنك ستتمكن من تخطي كل الصعاب. الموظفون ھم من یتسببون في المشكلات، وھم من یحلونھا أیضاً.

لذا، ثق بھم.

المصدر  : إدارة.كوم www. edara.com

2

  1. يقول Mohamed Ibrahim:

    مقالة رائعة جدا. استفدت منها بصفتي أعمل إستشاري إداري للشركات، وأنا أتفق معكم العمل مع من هم خارج الشركة غير ناجح في كثير من المواقف. الأفضل هو بناء الموظفين الحاليين داخل الشركات والإستثمار فيهم بدلاً من إنفاق المال على الإستشارات الخارجية والتي تكلف الشركات أموال كبرى. ويجب على الشركات التخلص من الموظفين الغير جيدين أخلاقيا أو مهنياً ، ويتم تقييم الموظفين من إدارات مختلفة عن الموظف الواحد ، هل الموظف أمين في عمله، مخلص ، متعاون مع زملائه من الأقسام الأخرى، أم يجلس في المكان بناء على قرابة لفلان أو غيره من الأسباب.
    أيضأً أشكرك على ذكرك للمصدر المنقول منه المقالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*