متى تجعل اتخاذ القرار غير مركزي ومتى تجعله مركزياً ؟

  • — الجمعة مايو 18, 2018

*هيرمان فانترابن وفريدريك ويرتز

من النادر أن تجد مسؤولاً تنفيذياً يشك في أهمية الاستجابة والجاهزية Responsiveness : أي أن يكون في حالة تأهب قصوى للتجاوب والتفاعل مع الفرص والتهديدات، بحيث يكون قادراً على اقتناص الفرصة أو مستعداً لمواجهة التهديد بسرعة وفعالية. وبالتالي، عند إعادة تصميم الهيكل التنظيمي، يميل التنفيذيون إلى اللامركزية في صنع القرار، بحيث تكون صلاحية اتخاذ القرار أقرب ما يمكن إلى الأشخاص الذين يتعاملون مع الزبائن والمنافسين وموظفي الخطوط الأمامية وغيرهم من أصحاب المصلحة. وبهذه الطريقة يمكن تجنب التأخير المرتبط بالمعلومات والموافقات التي تتأرجح صعودا وهبوطا عبر محطات التسلسل الهرمي الإداري.

في السياسة، يعرف هذا الأسلوب بمبدأ “التفويض subsidiarity” أي أن تكتفي السلطة المركزية بأداء المهام التي لا يمكن القيام بها على المستوى المحلي فقط”.

ولكن ما هي المهام  التي لا يمكن القيام بها على المستوى المحلي فقط”؟

إنه سؤال قديم. وكما أشار هنري مينتزبرج في “هيكلة المنظمات” في عام 1979، المفردات “المركزية” و “اللامركزية” ظلت موضع تركيز خالص لكل من أهتم بالكتابة عن المنظمات”.

وسنتناول في هذا المقال منطقاً بسيطاً يمكننا اتباعه عند معالجة مسألة المركزية في مقابل اللامركزية، نحن لا نقدم إطارا جديدا لكسر المسار، ولكن في بعض الأحيان، لعلها دعوة للعودة إلى المبادئ الأولى التي طواها النسيان.

نعتقد أنه من المفيد أن نبدأ بأربع صفات يرغب معظم المديرين التنفيذيين أن تتوفر وهي: الاستجابة، والموثوقية، والكفاءة، والديمومة (على سبيل المثال، أن تكون موثوقاً بشكل مستمر). فعند اتخاذ القرار بشأن أفضل مستوى ينبغي القيام به في مهمة معينة، يجب تقييم أثر القرار على هذه الصفات الأربع.

فعلى سبيل المثال، قد تكون المكاسب الناتجة عن زيادة الكفاءة في عملية تجهيز كشوف المرتبات أكثر أهمية بكثير من احتمال فقدان الجاهزية والاستجابة للتغيرات في قوانين العمل المحلية التي يمكن تحقيقها عن طريق إبقاء هذه المهمة لا مركزية؛ فإن مركزية تجهيز كشوف المرتبات تمكن في الواقع من مواءمة النظم والإجراءات، ومن ثم تحقيق آثار الكشوف، وربما تشمل الاستعانة بمصادر خارجية لمزود خدمة خارجي واحد.

دعونا ننظر بشكل منهجي في الصفات الأربع.

  1. الاستجابة الفورية (الجاهزية)

الجاهزية هي اتخاذ الإجراء الصحيح وبشكل سريع تجاوباً مع الفرص والتهديدات، فإذا كانت مصادر هذه الفرص والتهديدات (مثل الزبائن والمنافسين والموردين والموظفين والمنظمين والشركاء، وما إلى ذلك) تحدث على مستوى وحدة التشغيل، وإذا كانت هذه الواجهات تختلف حقا بين وحدات التشغيل، فمن المنطقي توجيه المهام إلى الجهة المناسبة (مثل المبيعات، والمشتريات، والتوظيف، والشؤون التنظيمية) ومن ثم المسائلة عن التنفيذ السليم على هذا المستوى.

على سبيل المثال، هناك اختلاف كبير بين التعامل مع هيئة تنظيمية في الهند وأخرى في إندونيسيا، اللامركزية تسمح بالفورية في الزمان والمكان، وبالتالي الاستجابة.

  1. الموثوقية من خلال الالتزام

بالنسبة لبعض المهام، من المستحسن أو الضروري وجود قواعد مشتركة عبر وحدات التشغيل: السياسات والمعايير والطرق والإجراءات أو الأنظمة، التفكير في سياسات التعويضات والمزايا، ومعايير تصميم المنتجات، وأساليب ضمان الجودة، وإجراءات الإبلاغ عن الغش، ونظم الإبلاغ المالي، وما شابه ذلك. وتهدف هذه القواعد إلى مواءمة وحدات التشغيل مع الأهداف العامة للمؤسسة، وجعل الأعمال أكثر قابلية للتنبؤ. من ثم ينبغي أن تقوم بعض الوحدات التنظيمية بدور الوصي: كتحديد هذه القواعد، وتوجيه الموظفين بشكل صحيح، ورصد عملية الامتثال.

وعادة ما يكون من المنطقي إسناد هذا الدور لوحدة مركزية، وفي بعض المهام، لا يوجد حتى خيار: يجب أن يتم ذلك بواسطة القانون أو النظام الأساسي من قبل وحدة مستقلة مركزية.

على سبيل المثال في مهام التدقيق الداخلي أو وظائف السلامة المهنية بشكل عام، أو وظيفة إدارة المخاطر في البنوك، حيث ينص الإطار التنظيمي (Basel III regulatory framework) على أن هذه الوظيفة يجب أن تكون “بتوجيه من رئيس إدارة المخاطر) وبدرجة وظيفية كافية مع الاستقلال والموارد وسهولة الوصول إلى مجلس الإدارة”.

  1. الكفاءة من خلال المشاركة.

في بعض المهام، تكون حالة المركزية واضحة نوعا ما: إذ يمكن لوحدة مركزية أن تكون بمثابة المنشأ للقيام بمهمة تنفذ على نحو أكثر اقتصادا عند تجميعها في وحدة واحدة، عندما تكون جميع الوحدات العاملة مسؤولة عن هذه المهمة كل على حدة، وهناك العديد من العوامل الدافعة لمكاسب الكفاءة هذه، وهي:

  • اقتصاديات الحجم التقليدية. جعل الوحدة نفسها تقوم بالمزيد من نفس المهمة يؤدي إلى الاستمرارية، والتوحيد، والتخصص، والفاعلية، والإنتاجية، وقد تكون الخزينة ومشتريات تكنولوجيا المعلومات مثالا جيدا.
  • الحد الأدنى من نطاق كفاءة. تتطلب بعض المهام خبرة أو بنية تحتية نادرة ويمكن أن يتحول الطلب عليها من أي وحدة تشغيل فردية بمرور الوقت. وفي هذه الحالة، يكون من الأكفأ وجود مجموعة من المختصين بدلا من تكرارها في كل وحدة. خذ على سبيل المثال، الخبراء القانونيين والضرائب والتكنولوجيا، أو معدات الاختبار المكلفة.
  • تجنب الازدواجية. كثيرا ما يكون لدى وحدات التشغيل المختلفة حاجة مشتركة يمكن أن تكون الحلول فيها متطابقة (تقريبا) (كدليل التشغيل للموظفين الجدد، وأداة رصد أداء المصنع، وأداة إدارة علاقات الزبائن). ونتيجة لذلك، فإنه من المفيد نوعا ما لكل وحدة من الوحدات تطوير هذه الحلول بالتوازي.
  1. الديمومة من خلال انفصال بالمهام الخاصة

هناك بعض المهام التي قد تترك لتقدير وحدات التشغيل، قد يكون من المستحيل القيام بها على الإطلاق – وهذا يمكن أن يكون صحيحا بشكل خاص للمهام التي هي ضرورية لرفاهية المؤسسة على المدى الطويل، ولكن لا تخدم وظيفة بعينها على المدى القصير لوحدات الأعمال. وبالتالي، قد تكون هناك حاجة إلى وحدة مركزية مع قدر من الانفصال أو الانعزال الكافي عن عمليات الخط الأمامي للمؤسسة، وفيما يلي بعض الأمثلة على هذه المهام:

  • الاستثمار في مبادرات ذات فوائد بعيدة المنال وغير مؤكدة (مثل الابتكار الجذري radical innovation).
  • الاستثمار في المبادرات التي تتوقف فوائدها على مشاركة الجميع (مثل إدارة المعرفة وإدارة المواهب).
  • الأنشطة التي تنطوي على التحكيم عبر الوحدات، أي موازنة البدائل وتحديد الأولويات (مثل تخطيط حافظة المنتجات).
  • قرارات قبول الخسارة وسحب القابس (على سبيل المثال، سحب المنتج)؛
  • المبادرات ذات الصلة بالموجودات التي هي الملكية الوحيدة للمؤسسة (مثل العلامات التجارية ورأس المال).

ليس هناك هيكل تنظيمي واحد يناسب جميع المؤسسات. ومن الواضح أن التغييرات في البيئة أو الأولويات الاستراتيجية قد يكون لها تأثير على كيفية تنظيمها.

الحصول على الصفات التي تشهد لها بالاستجابة والموثوقية والكفاءة والديمومة، لا يتطلب دائما تغييرات هيكلية صعبة على الهيكل التنظيمي، وفي كثير من الحالات التغييرات الأقل اضطرابا يمكن أيضا أن تؤدي وظيفتها، مثل توزيع الموظفين المركزيين فعليا إلى وحدات التشغيل، وتعيين نقاط اتصال دائمة في المقر الرئيسي للوحدات العاملة، وإنشاء فرقة عمل مؤقتة من أفراد وحدات التشغيل، وهلم جراً.

وفي عصر أصبح فيه مفهوم “التنظيم الذاتي” يستحوذ على قدر كبير من الاهتمام، فإن مسألة المركزية مقابل اللامركزية لن تكون مستبعدة، يقول نيكولاي فوس وبيتر كلاين في مقالة لهما بعنوان: “لماذا لا يزالون المديرين مهمين؟” فـ”في الاقتصاد القائم على المعرفة اليوم، من المفترض أن تكون الصلاحيات الإدارية في انخفاض وتراجع، ولكن لا تزال الحاجة ماسة لوجود شخص ما لتحديد وتنفيذ القواعد التنظيمية للعبة”.

نأمل أن المنطق البسيط الوارد في هذه المادة يساعد المديرين على إيجاد حلول لتحقيق التوازن بين القواعد والاستجابة.

المصدر : www.hbr.org

________________________________________

*هيرمان فانترابن هو العضو المنتدب لشركة أكورديون، وهي شركة استشارية استراتيجية مقرها في بروكسل. ويمكن الوصول إليه عبر البريد الإلكتروني التالي:  herman.vantrappen@akordeon.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*