المدن الذكية : البلوك تشين للحكومات

  • — الأربعاء مايو 30, 2018

لا بد أنكم سمعتم عن البلوك تشين أو سلسلة الكتل التي تلقى اهتماماً ورواجاً كبيرين هذه الأيام. وعلى الرغم من عدم تبنيها على نطاق واسع حتى الآن، إلا أن الجميع  متيقّنون من أن هذه التقنية الناشئة ستنتشر وتسود وستغير طريقة إدارتنا للبيانات والتعاملات. ما هي هذه الصيحة الجديدة إذن وعلام هذا الترويج الإعلامي الهائل الذي تحظى به؟ ما الذي بإمكان البلوك تشين أن تفيدنا به فعلاً؟ سنعرض في السطور التالية كيف تستخدم الحكومات هذه التقنية، وما الجوانب التنظيمية لها، ولماذا تتطلع دبي إلى البلوك تشين كجزء من تحولها الهائل.

ما هي تقنية البلوك تشين بعبارات بسيطة؟

دعونا أولاً نقوم بتعريفها. إن سلسلة الكتل تقنية تتمحور حول دفتر حسابات موزّع على خوادم متعددة موجودة في أماكن مختلفة. ويمكن اعتبارها سلسلة من نسخ متعددة لقاعدة البيانات نفسها.

يخزن سجل الحسابات قائمة متزايدة باستمرار من السجلات المنظمة التي تسمى كتلاً، ومن هنا جاء اسم سلسلة الكتل. تتضمن كل كتلة بصمة زمنية ووصلة تشير إلى الكتلة السابقة. إن كون سجل الحسابات لا يعتمد على خادم واحد تجعله مقاوماً لأي محاولات اختراق.

يضمن استخدام التشفير وصول المستخدمين إلى أجزاء البلوك تشين التي ’’يمتلكونها‘‘ من خلال مفاتيحهم الخاصة. كما يوفر مزامنة نسخ دفتر الحسابات بالنسبة لجميع الأطراف المعنية.

تعتبر اللامركزية الجانب الأهم لسلسلة الكتل، وتتحقق بفضل توزع قاعدة البيانات. هذا يعني أن ليس بإمكان كيان واحد  التحكم بالتحديثات والمعاملات. إذ لا يمكن إجراء أي تغيير في دفتر الحسابات إلا بعد توافق المشاركين في الشبكة.

تعود جذور تقنية دفتر الحسابات الموزع  (Distributed ledger technology) اختصاراً DLT، وهو الاسم الذي تعرف به البلوك تشين أيضاً، إلى عقود عديدة، لكن التقنية وُضعت موضع التطبيق للمرة الأولى في عام 2008 لتكون التقنية التي ترتكز عليها عملة بتكوين. ومع ذلك، يميل معظم الخبراء اليوم إلى تمييز التقنية عن العملة المشفرة باعتبارهما ظاهرتين منفصلتين، حيث أن لدى الأولى تنوعاً ضخماً في حالات استخدامها بدءاً من العقود الذكية وحتى إدارة سلسلة التوريد.

إن المتحمسين لتقنية البلوك تشين على ثقة من أنها تقنية ضخمة إلى حد أنها قد تضاهي ثورة الإنترنت- وأعتقد أنكم جميعاً تدركون مدى التغيير الذي أدخله الإنترنت على حياتنا وعاداتنا.

كيف ولماذا يجب تنظيم البلوك تشين – هل من تنظيمات سابقة؟

بما أن البلوك تشين تقنية جديدة نسبياً، فهي مستمرة في النمو دون مقاومة كبيرة من الهيئات الحكومية في جميع  أنحاء العالم. ومع ذلك، وباعتبار أن البلوك تشين والعملات المشفرة تُناقشان عادة معاً جنباً إلى جنب (وهو ما لا ينبغي أن يكون عليه الحال)، يبدو أن تنظيم هذه التقنية أمر لا مفرّ منه.

يمكننا القول إن نوعاً من التنظيم السلس سيكون مرحباً به، لأنه سيضع نهاية للممارسات الجامحة في فضاء البلوك تشين. وكملاحظة جانبية هنا، لا يعني التنظيم بالضرورة اتخاذ إجراءات صارمة أو فرض قيود مبالغ فيها. فمجموعة قواعد تعرّف مفاهيم محددة وتسمي الأشياء بأسمائها كافية لترتيب الإجراءات ترتيباً منهجياً وتوفير ما يُشعر الشركات الناشئة، والمؤسسات، والمستثمرين، والعملاء، وجميع الأطراف المعنية بالارتياح لتبني تقنية دفتر الحسابات الموزع من أهم سمات البلوك تشين فيما يتعلق بالجوانب القانونية هي العقد الذكي – وهي ميزة فريدة تسمح لطرفين بإبرام اتفاقيات قائمة على عقود وبالتفاوض دون الحاجة إلى إشراف طرف ثالث، كمحامٍ مثلاً. فالعقد الذكي سيفضي إلى التعاملات المحددة مسبقاً لدى استيفاء شروط معينة. وبما أن العقود الذكية بإمكانها أن تحل محل العقود الورقية التقليدية، سيتعين على الحكومات التأكد من أنها تحظى بالاعتراف نفسه، وهو ما يجعل التنظيم إجبارياً هنا.

يمكن لقانون حكومي ينظم البلوك تشين أن يشمل عدة جوانب، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

  • الشروط اللازمة لأن يصبح المرء مشاركاً في أنظمة دفتر الحسابات الموزع، كمتطلبات تحديد العميل (Know-your-customer أو اختصاراً KYC) ومتطلبات مكافحة غسيل الأموال
  • المتطلبات الفنية التي تتعلق بزمن الكمون والسعة وأداء البرمجية والتحديثات وما إلى ذلك
  • القواعد التي تشير إلى أخطار فشل النظام
  • الوضع القانوني للعقود الذكية ضمن النظام القانوني الحالي

إن الحكومات في جميع أنحاء العالم تركز اليوم على تنظيم العملات المشفرة بدلاً من تنظيم البلوك تشين. وهو ما يعني أن بإمكان تكنولوجيا دفتر الحسابات الموزع التمتع ببعض الحرية منذ الآن.

لكن هناك هيئات وجدت أنه من الضروري إنشاء إطار تنظيمي يستهدف تقنية دفتر الحسابات الموزع. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، قامت عدة ولايات، كأريزونا وفيرمونت ونيفادا باستحداث مشروعات قوانين تشجع سلسلة الكتل والعملة المشفرة. بعض هذه القوانين تحاول ببساطة تعريف البلوك تشين والعقود الذكية، في حين تغطي قوانين أخرى جوانب حماية المستهلك.

ما فوائد البلوك تشين للجهات الحكومية؟

على الرغم من أن تكنولوجيا دفتر الحسابات الموزع تُحدِث ثورة في قطاعات بأكملها وهي تُرى غالباً في نطاق الشركات، لكن الحكومات يمكنها أيضاً الاستفادة من إمكانياتها الكبيرة، وهو ما بدأت بعض الحكومات تعمل عليه فعلاً. وسنرى لاحقاً كيف تراهن دبي بشدة على البلوك تشين.

فيما يلي بعض المزايا والحلول التي يمكن أن توفرها تقنية دفتر الحسابات الموزع للحكومة ومؤسساتها:

  1. الاقتراع الإلكتروني – يمكن استخدام البلوك تشين لضمان نظام اقتراع شفاف وفعال من حيث التكلفة. مؤخراً، أصبحت سيراليون أول بلد في العالم يجري الانتخابات الرئاسية بدعم من تقنية البلوك تشين.
  2. السجلات الصحية الإلكترونية – يمكن لمؤسسات الرعاية الصحية الحكومية استخدام تقنية دفتر الحسابات الموزع لتسجيل البيانات الصحية لمواطنيها. وسيكون استخدامه مفيداً بشكل خاص في حالات الطوارئ.
  3. أمن البيانات – بوسع وكالات الاستخبارات استخدام البلوك تشين لتخزين المعلومات السرية في ظروف آمنة.
  4. إدارة الضرائب – بإمكان تقنية دفتر الحسابات الموزع تغيير شكل المحاسبة ومدفوعات الضرائب، حيث تستطيع التقنية أن تحسن الالتزام الضريبي بشكل كبير من خلال ضمان مدفوعات آلية للضرائب تحدث في الوقت الحقيقي من المواطنين إلى ميزانية الدولة. هو أمر يمكن تنفيذه بفضل العقود الذكية.
  5. الإدارة العامة – ستستفيد الحكومة الإلكترونية المدعومة بتقنية البلوك تشين من الحلول والتطبيقات التي تركز على إدارة الهوية وتسجيل الأراضي وتحصيل الضرائب وأي نوع من سجلات البيانات.
  6. حقوق الملكية الرقمية – بإمكان البلوك تشين مساعدة الحكومة على إدارة الأعمال المحمية بحقوق النشر وتسوية النزاعات.
  7. تعقب المعاملات – يمكن للحكومات الاعتماد على البلوك تشين في التعاملات عالية المخاطر، مثل التحويلات النقدية والعقود العامة وأموال المساعدات.
  8. العملة الرقمية الوطنية – بإمكان البنك المركزي إصدار عملة رقمية وطنية مدعومة من البلوك تشين. يجب أن نعي هنا أننا ننتقل إلى مجتمع لا نقود فيه، وهناك حكومات اتخذت نحو ذلك أولى خطواتها. وثمة دول أخرى، مثل فنزويلا، قررت إصدار عملة مشفرة وطنية لتجنب العقوبات الدولية. كما أفصحت إيران وروسيا عن خطط مماثلة.

إن النقاط الآنفة الذكر أبعد ما تكون عن القائمة الكاملة لحالات استخدام البلوك تشين في سياق الحلول الحكومية. ويمكن مقارنة البلوك تشين بالإنترنت – إنها مجرد إطار تقني وعلى للحكومات أن تبتكر لتوليد حالات استخدام عملية.

أثر تبنّي البلوك تشين على المدى البعيد

ليس بإمكان البلوك تشين تعزيز تجربة الحكم بـأثر فوري فقط، بل تستطيع أيضاً تغيير عادات الناس من نقطة الصفر وإحداث تأثير طويل الأجل يحقق الفائدة للحكومة والمواطنين على حد سواء، ويخلق وضعاً يكون الطرفان فيه رابحين.

فيما يلي ثلاثة جوانب أساسية ومشاكل لا تنتهي يمكن حلها أو استئصالها بمساعدة تقنية دفتر الحسابات الموزع:

  1. الفساد

بإمكان التنفيذ الدائم للبلوك تشين في مختلف المناطق العامة أن يقلل إلى حد كبير من الفساد والاحتيال. ويعود السبب في هذا إلى أن سجلات تقنية دفتر الحسابات الموزع غير قابلة للتغيير ولا يمكن اختراقها.

  1. البيروقراطية

تعتبر البيروقراطية المفرطة مشكلة أساسية أخرى للعديد من الحكومات والمؤسسات الحكومية، وهي تشير إلى إجراءات تعوزها الكفاءة في التعامل مع المهام المختلفة والتي تنطوي على عدد لا حصر له من الوسطاء والكثير من تبديد الطاقة.

بوسع البلوك تشين تغيير هذه الإجراءات بمساعدة العقود الذكية التي من شأنها أتمتة العمليات وخفض عدد الوسطاء، بطريقة ستفضي في نهاية المطاف إلى توفير المال على خزينة الدولة.

  1. الأمن

من التأثيرات طويلة المدى لتطبيق البلوك تشين تحقيق مستويات أمان أعلى عموماً. حيث يمكن للحكومة التعرف على الفور على أي مواطن ومنع الهجمات الإرهابية أو الجرائم. يتضمن هذا أيضاً أمن الفضاء الإلكتروني الذي يعتبر قطاعاً هاماً نظراً لأن معظم بيانات الحكومات ومهامها تتم معالجتها عبر الإنترنت.

أمثلة على حكومات تعتمد البلوك تشين

هناك الكثير من الدول التي لا تريد البقاء بمعزل عن الضجيج الذي تثيره البلوك تشين، وهي تتبنى هذه التكنولوجيا لأداء مهام مختلفة. تلك الدول الرائدة في استكشاف البلوك تشين تأمل أن تساعدها التقنية في تحسين العلاقة بين الحكومة والمواطن، واجتذاب المستثمرين الأجانب وتبسيط الإجراءات.

فيما يلي بعض الأمثلة على تطبيقات حقيقية لتقنية دفتر الحسابات الموزع:

سويسرا

هذه الدولة المحايدة واحدة من أكثر المؤيدين للبلوك تشين نشاطاً، وهي تستضيف مركزاً للبلوك تشين وللعملة المشفرة في مدينة تسوغ المعروفة باسم وادي التشفير (Crypto Valley). وقد قال وزير المالية الدولية فيها إن سويسرا تريد أن تظل جاذبة للعروض الأولية للعملة الرقمية المشفرة (Initial Coin Offerings)، وهو شكل من أشكال جمع الأموال يقوم على العملة المشفرة، على الرغم من أن العديد من الدول الأخرى قد حظرتها تماماً (مثل الصين). وقد أطلقت سويسرا مبادرة أطلق عليها اسم قوة عمل البلوك تشين (the Taskforce Blockchain) يديرها وزير المالية ووزير الاقتصاد والتعليم، وهي مطالبة بالعمل على إطار تنظيمي للعروض النقدية الأولية والبلوك تشين.

سنغافورة

نجحت هيئة النقد السنغافورية في تجربة البلوك تشين في المدفوعات بين المصارف. تتعاون هذه الجهة التنظيمية مع رابطة المصارف في سنغافورة من أجل مشروع “يوبين Ubin”، وهو عبارة عن مبادرة تعتمد تقنية دفتر الحسابات الموزع على مراحل متعددة تتوج بإصدار عملة رقمية وطنية. يُنتظر من البلوك تشين تبسيط عملية الدفع وتسريع المعاملات وضمان الشفافية وخفض التكاليف.

كندا

في يناير 2018، أُعلن عن تعاون المجلس القومي للبحوث في كندا مع شركة البلوك تشين بيت أكسيس (Bitaccess) لبناء نظام من شأنه مساعدة المواطنين على متابعة التحديثات التي تجرى على المنح الحكومية والتمويل. وخلال الفترة نفسها، أعلنت الحكومة الكندية أنها ستشارك  في تجربة واسعة تتضمن نظام مطار مدعوم بتقنية البلوك تشين، يتيح للمسافرين  تقديم بطاقات هوية رقمية قبل حتى وصولهم إلى المطار. هذا المشروع، الذي أُطلق خلال المنتدى الاقتصادي العالمي، على وشك أن يشمل وزارة الأمن الوطني  الأميركية ووزارة الأمن والعدالة الهولندية والإنتربول وشركات مثل غوغل وفيزا وأكسنتشر.

البرازيل

تعتمد أكبر دولة في أميركا اللاتينية بشدة على البلوك تشين. إذ أعلنت الحكومة أنها قد تستخدم إيثيريوم (Ethereum)، وهي منصة البلوك تشين، لإدارة العرائض والالتماسات الشعبية، وهي ميزة هامة تمكّن المواطنين من المشاركة في عمليات صنع القرار. كما بوسع التقنية ضمان اتباع نهج ديموقراطي وفعال بفضل ما تحققه من شفافية في الإجراءات. في العام الماضي، قامت شركة سيربرو (Serpro) المملوكة للدولة بإنشاء منصة لتكنولوجيا دفتر الحسابات الموزع، وهي تقوم الآن بترويجها لدى مختلف القطاعات في البرازيل.

إستونيا

وهي إحدى دول البلطيق وتُعتبر من الرواد على مستوى العالم في تبني تقنية دفتر الحسابات الموزع. فالمواطنون مزودون ببطاقة هوية رقمية تستند إلى البلوك تشين تتيح لهم الوصول إلى مختلف الخدمات العامة. كما أن هناك منصة البلوك تشين يمكن للناس استخدامها للتحقق من السجلات. وفي عام 2017، تعاونت سوق تداول الأسهم الأميركية ناسداك مع الحكومة الإستونية في إنشاء نظام البلوك تشين لتصويت أصحاب الأسهم في الشركات.

تجارب أخرى

وإذا ألقينا نظرة على أماكن أخرى في العالم، نرى أن أستراليا قد درست تكنولوجيا البلوك تشين بعمق وتعاملت معها، حيث تستخدمها بورصة الأوراق المالية الأسترالية في عمليات التسوية والتصفية بدلاً من نظام السجل الفرعي الإلكتروني لغرفة المقاصة.

في نيوزيلندا، كانت شركتا التكنولوجيا نيرياد (Nyriad) وريفيرا (Revera) تعملان مع الحكومة في مشروع شامل استخدمت فيه مؤسسات الدولة المحلية هذه التقنية للتعامل مع البيانات الحساسة.

كذلك تدرس هونغ كونغ استخدام تقنية دفتر الحسابات الموزع لتمويل التجارة كجزء من مبادرة ’الحزام والطريق‘ (The Belt and Road) التي تقودها الصين.

وفي مارس 2018، صوّت برلمان جزر مارشال لصالح إصدار عملة رقمية وطنية مدعومة بتقنية دفتر الحسابات الموزع. سيتم استخدام العملة الجديدة إلى جانب الدولار الأميركي.

ومع ذلك، فثمة حكومة واحدة هي الأكثر ثقة ويقيناً بإمكانيات ومزايا البلوك تشين، وهي حكومة دبي. فقد أطلقت الإمارة مبادرة “استراتيجية دبي لتقنية البلوك تشين”، والتي من المتوقع أن تطور وتحسّن قطاعات بأكملها.

ما هي استراتيجية دبي لتقنية البلوك تشين؟

استراتيجية دبي لتقنية البلوك تشين هي خطة تعمل على تنفيذها “دبي الذكية” و”مؤسسة دبي للمستقبل”، وهما المبادرتان اللتان أطلقهما الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. تهدف الاستراتيجية، التي بدأت في عام 2016، إلى دمج تكنولوجيا دفتر الحسابات الموزع في القطاع العام في المنطقة بحلول عام 2020.

ينبغي على المبادرة أن تساهم في جعل دبي أسعد مدينة على وجه الأرض. بالإضافة إلى أن تنفيذ البلوك تشين في جميع قطاعات المدينة سيعزز مكانة دبي كمركز عالمي للتكنولوجيا.

يجب أن يوفر اعتماد دبي لتقنية البلوك تشين 5.5 مليار درهم سنوياً من تكلفة معالجة المستندات وحدها  – أي ما يعادل قيمة برج خليفة واحد في كل عام.

الأركان الثلاثة لاستراتيجية البلوك تشين في دبي

يتطلب تنفيذ مثل هذه المبادرة الواسعة والمتعددة المستويات خطة دقيقة، وهنا انبثقت استراتيجية دبي لتقنية البلوك تشين التي تقف وراءها هيئات عديدة في دبي باعتبارها المنهج الأفضل للتنفيذ.

تستند الاستراتيجية إلى ثلاثة ركائز أساسية حُددت على الشكل التالي:

الركيزة الأولى : كفاءة الحكومة

تدعو الركيزة الأولى إلى نقل جميع المستندات الحكومية والمعاملات إلى البلوك تشين. يشمل هذا دفع الفواتير وطلبات التأشيرات وتجديد التراخيص. حالياً، تدير الحكومة المحلية 100 مليون صفحة من الوثائق سنوياً. لتحقيق الهدف، عُقدت 40 ورشة عمل متعلقة بالبلوك تشين جمعت 30 هيئة حكومية للبت في نوع التعاملات التي سيتم تنفيذها باستخدام البلوك تشين، وتطوير منصة البلوك تشين لخدمة حكومة دبي، ووضع سياسات وطيدة للبلوك تشين.

الركيزة الثانية : تأسيس القطاع

في إطار الركيزة الثانية، تعتزم حكومة دبي تطوير نظام يشجع على إطلاق شركات ناشئة في مجال البلوك تشين وذلك بخلق الظروف الملائمة للأعمال في القطاع الخاص. ستركز استراتيجية البلوك تشين في دبي على مختلف القطاعات، مثل القطاع المصرفي والتقني والعقاري والرعاية الصحية والتخطيط الحضري والنقل والطاقة الذكية والتجارة الرقمية والسياحة.

الركيزة الثالثة : القيادة العالمية

في ظل الركيزة الأخيرة، ستوفر دبي لنظراء عالميين إمكانية الوصول إلى منصة البلوك تشين لضمان أمن وراحة المسافرين الدوليين الذين يزورون المدينة. سيتحقق ذلك بمشاركة العديد من الشركاء في أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا عبر شبكة تراست العالمية (Global Trust Network).

ووفقاً للخطة، سيستفيد المسافرون من قبول أسرع وموافقة مسبقة على جوازات السفر والتأشيرات، وتنقل أسهل ضمن دبي بفضل إمكانية استئجار السيارات والحصول على رخص قيادة مُوافق عليها، واتصال لاسلكي، وظروف سياحية أفضل، ومحافظ مدفوعات رقمية مؤقتة مُصادَق عليها مسبقاً. وقد عينت آي بي إم كشريك استراتيجي رئيس في مجال البلوك تشين و شركة كونسنسيس (Consensys) كاستشاري البلوك تشين.

دبي تستعد لأن تصبح أول حكومة في العالم مدعومة بالبلوك تشين

تعد استراتيجية البلوك تشين في دبي جزءاً من الهدف الأوسع لجعل دبي أول حكومة في العالم تطبق كافة تعاملاتها بتقنية البلوك تشين. عندما تتحول الخطة إلى حقيقة، ربما بحلول عام 2020، يتوقع أن توفر الحكومة أكثر من مليار دولار في السنة. ووفقاً لحسابات “دبي الذكية”، فإن تبني هذا النظام من شأنه أن يوفر على الإمارة 25.1 مليون ساعة عمل أو 1.5 مليار دولار سنوياً. وكما تقول مؤسسة دبي للمستقبل، ستوفر التقنية على الأشخاص قطع مسافة توازي 411 مليون كيلومتر سنوياً. في ضوء هذا التوجه، أطلقت دائرة الأراضي والأملاك في دبي، وهي الوكالة المعنية بمراقبة الأراضي والتداولات العقارية، في أكتوبر 2017 نظاماً قائماً على البلوك تشين لضمان المعاملات المالية، وتسجيل عقود العقارات، وتحسين عملية دفع فواتير الكهرباء والاتصالات والمياه. علاوة على ذلك، تستعد دبي لإطلاق عملتها الرقمية الخاصة، والتي يطلق عليها اسم إم كاش (emCash). حيث ستوفر للمستخدمين معاملات غير تلامسية وستجعل دبي وجهة جاذبة للأعمال وستضمن سعادة العملاء وتسرع انتقال المدينة إلى اقتصاد ذكي.

(البلوك تشين – التقنية الناشئة)

الاعتماد على البلوك تشين هو خطوة ذكية بالنظر إلى أن التقنية لا تزال فتية وواعدة. دبي محظوظة لقيامها بتحول مبكر نحو هذا التوجه الجديد لأنها بهذا ستكون من أول المستفيدين مما تقدمه من مزايا، وتصبح مثالاً يحتذى به في العالم.

لا يبالغ على الإطلاق أولئك الذين يقولون إن هذه التقنية الناشئة تخلق ثورة في العالم. فوفقاً لشركة البيانات الدولية، من المتوقع أن يصل الإنفاق العالمي على مشروعات البلوك تشين في عام 2018 إلى 2.1 مليار دولار أميركي، أي أكثر من ضعف الرقم المسجل عام 2017 وهو 945 مليون دولار.

نشر هذا المقال في عدد مجلة بوبيولار ساينس-العلوم للعموم مارس/أبريل 2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*