الطبيعة المتغيرة للتخطيط الاستراتيجي – الجزء الأول

  • — الأحد مايو 05, 2019

الكاتب :  James Allen

خلال العقود الثلاثة الماضية، حدثت تحولات تدريجية أدت إلى انفجار في التفكير الإبداعي حول الاستراتيجية.

شكل عام 2019 حدثًا بارزًا، فلقد عملت على مدى ثلاثين عاماً في القضايا الاستراتيجية، وطُلب مني أن ألخص التغييرات التي شهدتها خلالها فكتب في مدونة Founder’s Mentality بعض الأفكار الشخصية، وقمت بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام. أولاً، أزعم أننا دخلنا حقبة جديدة من الأعمال تتطلب مقاربة جديدة للتخطيط الاستراتيجي. ثانياً، سأوجز هنا كيف تساعد المعارك الصغيرة micro-battles على تنفيذ استراتيجية جيدة وتخوض غمار المنافسة على أساس الحجم والسرعة. ثم في نهاية المطاف سأقدم ستة أسئلة يجب على جميع الرؤساء التنفيذيين أن يطرحوها على أنفسهم.

أنني هنا بصدد اتخاذ مسار واحد – المسار الذي قادني من كتاب: Profit from the Core إلى المعارك الصغيرة، قد يكون نطاقها محدودًا إلى حد ما، ولكن كما قال غريتفل ديد Grateful Dead، “يا لها من رحلة كانت طويلة وغريبة”.

الجزء الأول: التخطيط الاستراتيجي في عصر الشركات الثورية

سأبدأ بالأخبار السارة بالنسبة إلى القدامى old-timers الذين يبحثون عن صلة تربطهم بهذا العالم سريع التغير، فإن الكثير من طرق تفكيرنا تجاه الاستراتيجية لا تزال كما هي.

  • الاستراتيجية حية ترزق وهي بخير، في كل عام عملت فيه على الاستراتيجية، كان هناك شخص ما يؤلف كتاباً يقول فيه بأن الاستراتيجية قد ماتت، وبالمقابل في كل عام عملت فيه مع مديرين تنفيذيين رائعين أجدهم ينظرون إلى الحقائق في مجال ما، ويكتشفون طريقًا إلى القيادة وينجحون في توليد قيمة كبيرة للمساهمين.
  • الاستراتيجية تتعلق بالخيارات choices، فالاستراتيجية الجيدة تساعدك على تحديد ما يجب فعله وكيفية تحديد الأولويات من بين خيارين أو أكثر، وهي أيضاَ تساعدك على اختيار أفضل وسيلة لتخصيص الموارد لزيادة قيمة الشركة، وأفضل طريقة لزيادة القيمة هي النمو بشكل مستدام ومربح، النمو بطبيعته مهمة صعبة – إذ أن حوالي 1 من كل 11 شركة فقط تحقق نمواً مربحاً ومستداماً، ومن هذه النسبة، شركة واحدة من بين كل أحد عشر شركة، تقوم بأعمالها الأساسية بنسبة 95٪.
  • وعليه، فإن أفضل الخطط الاستراتيجية تستخدم الحقائق facts، وليس الآراء opinions، لتحديد الأعمال الأساسية core business بوضوح وتقديم خطة لإدارة تلك الأعمال الأساسية، وفي حوالي 60٪ من الصناعات، نقوم بتعريف الريادة من حيث النطاق – الشركة التي تتمتع بأكبر حصة في السوق (تقاس بالإيرادات أو الحجم) هي الشركة الفائزة، وفي حوالي 40٪ ، فإن الشركة التي لديها أعلى حصة من اقتصاديات الصناعة ليست هي الشركة الرائدة في هذا المجال، هذه الشركات تقوم بشيء آخر. فهي لديها عملاء يدينون لها بقدر كبير من الولاء ويساعدونها في تحقيق الأرباح، وهي أيضاَ لديها المنتجات والعلامات التجارية أو عمليات التصنيع الأكثر تميزاً، فهي تسيطر على “نقطة التحكم control point” في المجال الذي تعمل فيه – فهذه الشركات في وضع يسمح لها بالتحكم في أرباح أكثر بكثير مما يتوقعه المرء، من الإيرادات أو من غيرها.
  • أفضل الخطط الاستراتيجية تعتمد دائمًا على فهم دقيق لتعريفات الأعمال وقواعد اللعبة، ليس عليك دائمًا اللعب وفقًا لقواعد المجال الذي تعمل فيه، ولكن يجب أن تفهم كيف يتم كسب المال، ناقشنا هذا الأمر بالتفصيل في كتبنا Profit from the Core ، و Beyond the Core والتي لا تزال بمثابة مبادئ أساسية جيدة لاستراتيجية جيدة.

ثانيًا: بالرغم من أن التغييرات كانت تدريجية، فقد شهدنا خلال العقود الثلاثة الماضية تحولًا في كيفية تطوير الاستراتيجيات. وهناك ثلاث نقلات محددة:

من الترقب التام إلى التكيف السريع From perfect anticipation to fast adaptation

افترض الجميع أن الاستراتيجية المثالية كانت حول الترقب التام perfect anticipation، بينما اليوم، الحالة الوحيدة التي نعرف جميعًا أنها لن تحدث، هي الحالة الأساسية base case. الاستراتيجية تدور حول الاضطرابات والسيناريوهات والتحركات والتحركات المضادة. وأفضل استراتيجية تتمثل في التكيف السريع – لقد وضعنا وجهة واضحة وثابتة واتفقنا على مسارات متعددة للنهج. الاستراتيجية أشبه بالبوصلة، حيث تخبرك بمكان الشمال، وهي قل ما تشبه الخريطة، مما يوفر لك مسارًا واحدًا.

عندما التحقت بالعمل في شركة Bain في أواخر الثمانينيات، كان العديد من عملائنا يضعون خططًا خمسية أو عشرية (مدتها 5 و 10 سنوات). وأتذكر جيداً، المرة الأولى التي تحدثنا فيها عن استراتيجية الألفية الثالثة “Strategy 2000” ، أو الاستراتيجية التي ستوجه الشركة لمدة عقد من الزمان نحو الألفية الجديدة (أتذكر أيضًا فرحة وضع الصفرين ’00 والصفر مع الواحد ’01 في صف من عدة سنوات 1-2-3 – البرنامج الذي ظهر قبل برنامج ميكروسوفت اكسل Microsoft Excel ، لجميع قراء الألفية)، كان هناك اعتقاد عام بأنه إذا قمت بتطوير قاعدة الحقيقة الصحيحة واتجاهات الصناعة المتوقعة، فيمكنك إنشاء قاعدة أساسية للتنبؤ بـ 10 سنوات والتي ستحدث بالفعل!

من “اين تلعب” إلى “كيف تفوز” From “where to play” to “how to win

قبل ثلاثين عامًا، كانت بعض أفضل الاستراتيجيات التي عملنا عليها حول “اين تلعب”، حيث كنا على سبيل المثال نساعد المستفيد على تحديد أعماله الأساسية وتوجيه المزيد من الموارد نحو جوهر المشروع، والحد من الاستثمارات أو التصرف بعيداً عن صلب المشروع، وهذا يتطلب عملاً دقيقاً لتحديد حدود كل عمل بوضوح وتحديد الشركات التي يمكن أن تصبح رائدة، وبعد ثلاثة عقود، اكتشفنا أن جل ما كنا نقوم به من جهود كان يتمحور حول “كيف تفوز” الشركات تحتاج إلى تنفيذ خططها بشكل احترافي من خلال بناء قدرات الفريق وإدارة التعقيد طوال فترة عملها، لقد ألفنا كتابنا بعنوان: قابلية التكرار (Repeatability) لتسليط الضوء على هذا التحول، وأشرنا فيه إلى أن أفضل الشركات لا تفوز ببساطة باستراتيجيات ” اين تلعب” انهم يحددون نماذج واضحة ولديها قابلية للتكرار Repeatable Models® لتنفيذ الاستراتيجية في ظل ظروف وأجواء تعج بالتعقيدات وعدم اليقين.

من الدفع إلى السحب From push to pull

لعلي أتناول هذا الجانب بشيء من المبالغة exaggerate ، قبل ثلاثين عامًا كانت معظم الاستراتيجيات هي استراتيجيات قائمة على “الدفع”، حيث أن عملية وضع استراتيجية كانت تخضع لرقابة وسيطرة محكمة من قبل اللجنة التنفيذية، فقد يستغرق الأمر ما يصل إلى تسعة أشهر، كل الإجراءات يتم تنفيذها في سرية تامة وجميع الوثائق يتم الاحتفاظ بها، وكان ذلك منطقياً، وبطبيعة الحال: إذا كانت الاستراتيجية تدور حول ” اين تلعب” ، فأنت حينئذ تتعامل مع القرارات الحاسمة. قد تتخلص من أعمال بأكملها بمجرد اكتمال العملية، دفع الاستراتيجية إلى المنظمة من خلال ” إعلان الحدث الكبير” ويقول القادة، “هذه هي استراتيجيتنا، وسنخبركم ماذا تعني بالنسبة لكم، إذا كان هدفنا هو تحقيق (100x)، فإن نصيبكم من ذلك هو (2.1x)، نتمنى لكم التوفيق، و”بعد ثلاثين عامًا، في وقت كانت فيه الاستراتيجية تدور حول” كيف تفوز”، فإن أفضل العمليات” تقوم بإيجاد نقاط دفع “للاستراتيجية، والقادة يريدون إشراك المؤسسة، وخاصة الموظفين الذين يتعاملون مباشرة مع المستفيدين، أو موظفي الصف الأمامي. واللجنة التنفيذية لم تعد تقضي شهورًا في مناقشات خاصة، بل يريدون من موظفي الصف الأمامي أن يمتلكوا القرارات من خلال تحديد الإجراءات والسلوكيات المناسبة للتغلب على المنافسة، لم يعد قادة اليوم يعلنون عن الاستراتيجية من خلال “إعلان الحدث الكبير”، ولكنهم بدلاً من ذلك يستحوذون على القلوب والعقول على جميع مستويات المنظمة من خلال التآلف المشترك، أنها تساعد الصف الأمامي في “دفع” الاستراتيجية باتجاه المستفيدون. ولعل هذا يشكل تغييراً كبيراً.

أخيرًا، كان هناك تغيير أكبر، ولعل هذا التغيير أدى إلى تسارع وتيرة الأعمال في العقد الماضي –فالميزة التنافسية المستدامة ليست مجرد زيادة في الحجم وحسب، فهي ترتبط بالحجم والسرعة معاً، وقد أدى هذا التحول خلال السنوات الخمس الماضية، إلى حالة من انفجار الإبداع في كيفية تفكيرنا تجاه الاستراتيجية.

نحن ننتقل من عصر شاغلي الوظائف إلى عصر الثوريين (المتمردين).

كيف وصلنا إلى هنا؟ How did we get here?

خلال المائة عام الماضية، كانت “الطبقة الإدارية الاحترافية” تدير الأمور، لقد سمعنا جميعًا بقصة ألفريد سلون Alfred Sloan من شركة جنرال موتورز مع هنري فورد Henry Ford من شركة فورد موتورز، كان هنري فورد مؤسسًا ومبتكراً رائعًا ، لكن وتيرة نمو الصناعة كانت أسرع من قدرته على التكيف، وبسبب الاعتداد الزائد بالشخصية A cult of personality ، فقدت شركة فورد موتورز حصتها في شركة جنرال موتورز GM، تلك “المؤسسة الاحترافية” التي يديرها كادر من المديرين المحترفين اللامعين، التركيز على المؤسسة ، وليس على الفرد ، كان تحولاً ثوريا، وعلى مدار السبعين عامًا التالية أو نحو ذلك ، كانت الهيمنة لأكبر الشركات، وكان دور المدير المحترف هو توليد المزيد من القيمة الاقتصادية من الشركات الكبيرة بشكل متزايد. الشركات المتخصصة الصغيرة كانت موجودة، ولكن استراتيجياتها كان يتم تحديدها بالنظر إلى الاستراتيجيات الكبرى للشركات الرائدة في القطاع. كان هناك الكثير من الفوائد والمنجزات التي تم توليدها بواسطة طبقة الإدارة الاحترافية — فقد قاموا ببناء إجراءات روتينية، ونقلوا المنافع إلى العملاء وقاموا بإدارة ومعالجة المخاطر. لكنهم بالمقابل تسببوا في تعقيدات هائلة. وفي نهاية المطاف، وقعت منظماتهم ضحية لمتلازمة النمو، على النحو المحدد في كتابنا “عقلية المالك owner mindset: النمو يخلق التعقيد والتعقيدات تقضي على النمو”.

المنظمات التي تنافس وحدها على النطاق تتغلب عليها التعقيدات، واستجابة لذلك، رأينا صعوداً في حجم الشركات الثورية (المتمردين) – الشركات التي تتنافس وتربح على أساس الحجم والسرعة. أعتقد أن شركة أمازون Amazon في الولايات المتحدة، وكذلك شركة يونغوي Yonghui الصينية، تعد نموذجاً جيداً لهذا النوع. شاهد أيضاً ما يحدث مع شركة أويو Oyo الهندية. فما هي العصى السحرية لهذه الشركات الثورية؟ نحن نقول بأن هذه الشركات لا تستفيد فقط من الحجم أثناء نموها، ولكنها تحتفظ أيضًا بشعور “عقلية المؤسس”. ولكي تجدد شعورك بعقلية المؤسس Founder’s Mentality ، يجب عليك إعادة تأكيد القدرة الثورية بشركتك، وإعادة توجيه تركيزك نحو المستفيدين وموظفي الصف الأمامي، وإدخال “عقلية المالك owner mindset ” في ثقافتك. وقد تناولنا هذا الموضوع بالمزيد من التفصيل في كتاب عقلية المؤسس The Founder’s Mentality وفي عشرات المدونات عن المؤسسين Founder’s.

لماذا أصبحت عقلية المؤسس مهمة في الاستراتيجية؟ الشركات المنافسة الجديدة، والأسرع نمواً والأكثر قابلية للتكيف في مجال عمل شركتك، من المحتمل أنها تعتمد على عقلية المؤسس. نعيش في عصرنا الحاضر الأيام الأولى لعهد الشركات الثورية. ولكن هناك شيء واحد واضح – إذا لم تستخدم استراتيجيتك للتنافس على النطاق والسرعة، فلن تكون استراتيجيتك مناسبة للمستقبل.

يتبع ..

المصدر : www.bain.com