«الأبعاد الثلاث المفقودة في البيروقراطية الحكومية»

  • — السبت ديسمبر 24, 2022

د. إبراهيم المنيف -رحمه الله- [*]

منذ فترة وجدت نفسي مشرفاً على أحد طلاب الدراسات العليا لماجستير الإدارة ممن يعمل في البيروقراطية الحكومية في موضوع شيق حول إيجاد الرابطة التكاملية ما بين الولاء الوظيفي والانتماء والرضا الوظيفي.

النظرية الغربية تشير إلى وجود علاقة ايجابيه ما بين هذه الأبعاد أو العناصر الثلاث، بمعنى انه كلما ازداد الولاء للوظيفة والانتماء كلما ازداد الرضا الوظيفي؛ بمعنى أن يسود المنظمة التعاون والتكامل وتصبح هذه العلاقة ودية وايجابيه مؤديه للفعالية والكفاءة والإنتاجية والابتعاد عن البيروقراطية كما نفهمها بمعناها السلبي من جراء التنافر ما بين هذه الأبعاد الثلاث.

الأفضلية والافتراض للعلاقة الايجابية وتشابه أهداف الموظف والجهة معاً بما يُطلق العنان لحدوث الولاء واستحداث الانتماء ونمو وتطور الرضا، في بعض الأحيان نجد أهداف الموظف الحكومي قد لا تلتقي وأهداف المنظمة أو المؤسسة أو الوزارة التي يعمل بها. كما أن قيم الموظف الحكومي الخاصة قد لا تلتقي مع قيم الجهة الحكومية كما حددها قاداتها الإدارية العليا المتعاقبة من الخلف للسلف.

هذا الظرف في عدم الالتقاء يعتبر السبب الرئيس والجوهري لازدياد حدة البيروقراطية بمعناها السلبي المتعارف عليه. لذلك يكون الموظف الحكومي والجهة الحكومية على طرفي نقيض، وفى بعض الأحيان تتعارض مصالح الموظف مع مصالح الجهة الحكومية ويعيش الموظف في صراع لأنه بالعادة هو الطرف الضعيف أمام آلة وقوة البيروقراطية وقاداتها الإدارية العليا، في العادة تكون فيه الهزيمة للموظف أمام آلة البيروقراطية لا محالة مع إقرارنا بخسارة البيروقراطية على المدى الطويل كذلك!!!

الانتماء الوظيفي يُعبِّر عن هدف الجهة الحكومية بأن تؤطر وتكوِّن العلاقة التعاقدية مع الموظف كعملية تستثمر بها الجهة الحكومية بتعيين الموظف بعلاقة تعاقدية مقصود بديمومتها واستمراريتها حتى التقاعد بما يؤدي إلى سلوك الموظف بطريقه مرغوبه من الجهة الحكومية، هذا العقد بين الطرفين يعطي للجهة الحكومية جزء في حرية الموظف لصالح الجهة الحكومية التي ينتمي إليها وبذلك يعطيها معرفته ومهاراته والسلوك المرغوب من الجهة الحكومية.

ويتعمق هذا الانتماء ليصبح أعظم وأنقى وارقى إلى ولاء تنظيمي لتلك المنظمة أو الجهة الحكومية وتصبح العملية بكاملها من انتماء وولاء ثابتة وناضجة وتتطابق حينها أهداف الموظف الفرد مع أهداف المنظمة، وتنطلق هنا شرارة جديدة من الشحنات البيروقراطية المتناغمة مع الغيرة الشديدة على الجهة الحكومية تلك والدفاع عنها بشكل جنوني حتى لو كان هذا الدفاع عنها على حساب رُفاة الموظف الذي استُحدث الولاء والانتماء بداخله.

لهذا يفترض أن تسعى الجهات الحكومية بكل مهارة دون أدنى شك إلى حصول هذا الولاء الوظيفي ومن ثم الانتماء التنظيمي بشكل متجذّر وطبيعي وتلقائي وحتى عفوي دون أي تكلّف، ومن الملفت للنظر أنها عملية ذات اتجاه واحد من الفرد إلى الجهة الحكومية دون إي أرقام وإنما تظهر من الفرد بطريقة عفويه وتلقائية وذلك لتطابق أهداف الفرد مع أهداف المنظمة حتى انه يصعب عليك أن تعرف هل البداية بأهداف المنظمة التي تتطابق مع أهداف الفرد أم أن أهداف الفرد تمحورت وأصبحت أهداف المنظمة، وهناك حالات بيروقراطية كثيرة تعكس هذه التوجه وأنظر حولك لتصرفات أهل البيروقراطية.

البيروقراطية الحكومية تسعى إلى استحداث الانتماء من خلال الولاء الوظيفي في البداية بمعنى أن عقد العمل بين الفرد والجهة الحكومية يستحدث أولاً الولاء للوظيفة (الولاء الوظيفي) ثم يتكون هذا الشغف أو الحب ما بين أهداف الفرد وأهداف الهيئة التي يعمل بها عن طريق الإدارة العليا ويتكون هذا الولاء؛ وهذا زبدة الخلافات بين منظري الإدارة خلال الربع الأخير من القرن العشرين، إذ أن بعضهم افترض أن الرضا يسبق الولاء، والبعض الأخر يرى أن الانتماء والولاء التنظيمي والولاء للمنظمة يسبق الرضا؛ بمعنى أن الولاء مسبب للرضا أكثر من كونه نتيجة لهذا الولاء والانتماء، وأن عملية كسب ولاء وانتماء العاملين هي عملية تحفيزية وطبيعية ومفترضة لتوثيق العلاقة ما بين الموظف والجهة، حتى يبذل أكثر جهد ويحقق الكفاءة الفردية التي هي بالنهاية كفاءة للجهة نفسها.

ويرى البعض الأخر من منظري الإدارة أن الهدف من الرضا للفرد العامل هو أن يكسب انتماءه الوظيفي وأن الهدف من هذا الانتماء هو كسب الولاء للمنظمة وكل ذلك في مجمله تقوم به القيادة الادارية العليا كوسيلة لتحسين الأداء وهذا بحد ذاته هو هدف الجهة الذي يتطابق مع أهداف الفرد.

وبمعنى أخر فإن القيادة الادارية العليا (للجهة البيروقراطية) تسعى إلى تحقيق أهداف المنظمة في تحسين أدائها وليس أمامهم من وسيلة إلا تحقيق رضا العاملين الأفراد والذي هو كسب رضاهم وتجنب سخطهم، وإن كسب هذا الرضا لن يأتي إلا من خلال الولاء والانتماء ولهذا فان الولاء والانتماء سبب لهذا الرضا وليس نتيجة له على حد رأيهم.

أسعدني اطلاعي الحديث على ملخص لرسالة الماجستير تلك التي تشرفت بالإشراف عليها لأكتب لكم هذه الزبدة التي سميت هذه العلاقة القوية ما بين الفرد والهيئة الحكومية مما جذر على أثره بما تكوّن من بيروقراطية نتيجة هذا الزخم من الغيرة نحو هذه الجهة التي جذَّرت الولاء والانتماء ومن ثم تسبب بحدوث هذا الرضا والدفاع المستميت عن هذه الجهة الحكومية حتى الإصرار والترصد.


[*] من تحقيق لمجلة المدير العدد : 154 | اكتوبر 2013