ترابط الولاء الوظيفي والانتماء التنظيمي والرضى الوظيفي.. الابعاد الثلاث المفقودة في البيروقراطية

  • — الجمعة ديسمبر 06, 2013

د. إبراهيم المنيف [*]

منذ فترة وجدت نفسي  مشرفاً على أحد طلاب الدراسات العليا لماجستير الإدارة ممن يعمل في البيروقراطية الحكومية في موضوع شيق حول إيجاد الرابطة التكاملية ما بين الولاء والانتماء والرضى؛ بمعنى الولاء الوظيفي والانتماء والرضى الوظيفي. النظرية الغربية تشير إلى وجود علاقة ايجابيه ما بين هذه العناصر الثلاث، بمعنى انه كلما ازداد الولاء للوظيفة والانتماء بالهيئة كلما ازداد الرضى الوظيفي,  بمعنى أن يسود المنظمة التعاون والتكامل ويصبح هذه العلاقة ودية وايجابيه مؤديه للفعالية والكفاءة والإنتاجية والابتعاد عن البيروقراطية كما تفهمها بمعناها السلبي من جراء التنافر ما بين هذه الأبعاد الثلاث. الأفضلية والافتراض للعلاقة الايجابية وتشابه أهداف الموظف والهيئة معاً بما يُطلق العنان لحدوث الولاء واستحداث الانتماء ونمو وتطور الرضا.

فى بعض الأحيان نجد أهداف الموظف الحكومي قد لا تلتقي وأهداف الهيئة أو المؤسسه أو الوزارة التي يعمل بها. كما أن قيم الموظف الحكومي الخاصة قد لا تلتقي مع قيم الجهة الحكومية كما حددها قاداتها الإدارية العليا المتعاقبة من الخلف للسلف.  هذا الظرف في عدم الالتقاء يعتبر السبب الرئيس والجوهري لازدياد حدة البيروقراطية بمعناها السلبي المتعارف عليه. لذلك كله يكون الموظف الحكومي والجهة الحكومية على طرفي نقيض، وفى بعض الأحيان تتعارض مصالح الموظف مع مصالح الجهة الحكومية ويعيش الموظف في صراع لأنه بالعادة هو الطرف الضعيف أمام آلة وقوة البيروقراطية وقاداتها الإدارية العليا. في العادة تكون فيه الهزيمة للموظف أمام آلة البيروقراطية لا محالة مع إقرارنا بخسارة البيروقراطية على المدى الطويل كذلك.

 الانتماء الوظيفي يُعبِّر عن هدف الجهة الحكومية بأن تؤطر وتكوِّن العلاقة التعاقدية مع الموظف كعملية تستثمر بها الجهة الحكومية بتعيين الموظف بعلاقة تعاقدية مقصود بديمومتها واستمراريتها حتى التقاعد بما يؤدي إلى سلوك الموظف بطريقه مرغوبه من الجهة الحكومية. هذا العقد بين الطرفين يعطي للجهة الحكومية جزء فى حرية الموظف لصالح الجهة الحكومية التي ينتمي إليها وبذلك يعطيها معرفته ومهاراته والسلوك المرغوب من الجهة الحكومية.

ويتعمق هذا الانتماء ليصبح أعظم وأنقى وارقى إلى ولاء تنظيمي لتلك الهيئة أو الجهة الحكومية وتصبح العملية بكاملها من انتماء وولاء ثابتة وناضجة وتتطابق حينها أهداف الموظف الفرد مع أهداف المنظمة. تنطلق هنا شرارة جديدة من الشحنات البيروقراطية المتناغمه مع الغيرة الشديدة على الجهة الحكومية تلك والدفاع عنها بشكل جنوني حتى لو كان هذا الدفاع عنها على رُفاة الموظف الذي تم استحداث الولاء والانتماء بداخله.

لهذا كله تسعى الجهة الحكومية بكل مهارة دون أدنى شك إلى حصول هذا الولاء الوظيفي ومن ثم الانتماء المنظمي بشكل متجذّر وطبيعي وتلقائي وحتى عفوي دون أي تكلّف. ومن الملفت للنظر أنها عملية ذات اتجاه واحد من الفرد إلى الجهة الحكومية دون إي أرقام وإنما تظهر من الفرد بطريقة عفويه وتلقائية وذلك لتطابق أهداف الفرد مع أهداف المنظمة حتى انه يصعب عليك أن تعرف هل البداية بأهداف المنظمة التي تتطابق مع أهداف الفرد أم أن أهداف الفرد تمحورت وأصبحت أهداف المنظمة وحالات بيروقراطية كثيرة تعكس هذه التوجه وأنظر حولك لتصرفات أهل البيروقراطية.

يتضح أن البيروقراطية الحكومية تسعى في البداية إلى استحداث الانتماء من خلال الولاء الوظيفي في البداية بمعنى أن عقد العمل بين الفرد والجهة الحكومية يستحدث أولاً الولاء للوظيفة أو الولاء الوظيفي ثم يتكون هذا الشغف أو الحب ما بين أهداف الفرد وأهداف الهيئة التي يعمل بها عن طريق قادتها في الإدارة العليا ويتكون هذا الولاء. هذا زبده الخلافات بين منظري الاداره خلال الربع الأخير من القرن العشرين إذ أن بعضهم افترض أن الرضا يسبق الولاء والبعض الأخر يرى أن الانتماء الوظيفي و الولاء التنظيمي والولاء للمنظمة يسبق الرضا, بمعنى أن الولاء مسبب للرضا أكثر من كونه نتيجة لهذا الولاء والانتماء. أن توجه البيروقراطية من قيادتها لكسب ولاء وانتماء العاملين عملية تحفيزية وطبيعية ومفترضة لتوثيق العلاقة ما بين الموظف والهيئة حتى يبذل أكثر جهد ويحقق الكفاءة الفردية التي هي بالنهاية كفاءة الهيئة نفسها.

 ويرى البعض الأخر من منظري الإدارة أن الهدف من الرضا للفرد العامل هو أن يكسب انتماءه الوظيفي وأن الهدف من هذا الانتماء هو كسب الولاء للمنظمة وكل ذلك في مجمله تقوم به القيادة الادارية العليا كوسيلة لتحسين الأداء وهذا بحد ذاته هو هدف الهيئة الذي يتطابق مع أهداف الفرد. وبمعنى أخر فإن القيادة الادارية العليا للهيئة البيروقراطية تسعى إلى تحقيق أهداف الهيئة في تحسين أدائها وليس أمامهم من وسيلة إلا تحقيق رضا العاملين الأفراد والذي هو كسب رضاهم وتجنب سخطهم. إن كسب هذا الرضا لن يأتي إلا من خلال الولاء والانتماء ولهذا فان الولاء والانتماء سبب لهذا الرضا وليس نتيجة له على حد رأيهم.

أسعدني اطلاعي الحديث على ملخص لرسالة الماجستير تلك التي تشرفت بالإشراف عليها لاكتب لكم هذه الزبدة التي سميت هذه العلاقة القوية ما بين الفرد والهيئة الحكومية مما جذر على أثره بما تكوّن من بيروقراطيه نتيجة هذا الزخم من الغيرة نحو هذه الهيئة التي جذَّرت الولاء والانتماء ومن ثم تسبب بحدوث هذا الرضا والدفاع المستميت عن هذه  الجهة الحكومية حتى الإصرار والترصد.



[*] تحقيق مجلة المدير العدد : 154 | اكتوبر 2013