عصر الضفادع والعقل الضائع : دماغنا والإنترنت والمستقبل

  • — الأحد ديسمبر 20, 2015

يقول الكاتب الفرنسي الكبير فيكتور هوغو: “ليس هناك جيشٌ أقوى من فكرةٍ حان وقتها”، وهذه المقالة هي عن فكرة أصبحت أمرا لا بد منه في خضم الحياة المضطربة والمليئة بالمشتتات من كل حدب وصوب، فإذا كنت من الأشخاص الذين تعهدوا بأن يغيروا شيئا في حياتهم فهذه المقالة ستمد لك يد العون.

ما هي هذه الفكرة المهمة؟

إنها عن مهارة محددة أصبحت مهددة بالاندثار يوما بعد يوم. إذ تظهر يومياً عشرات الكتب وآلاف المقالات التي تتحدث عن المهارات الحياتية المهمة للنجاة والتوفق والازدهار في هذه الحياة، وتتنوع هذه المهارات بين عدة أصناف، كالمهارات العاطفية ومهارات التواصل والمهارات العقلية الإدراكية وغيرها، ولكن ثمة مهارة واحدة أصبحت تحتل مرتبة “الملكة” بين جميع هذه المهارات، وهي مهارة “التركيز” Focus.

تناول العديد من الخبراء والمختصين هذه المهارة بالبحث والتجريب، ومنهم كان الكاتب الأمريكي نيكولاس كار Nicholas G. Carr صاحب الكتاب الشهير “السطحيون: ماذا يفعل الإنترنت لأدمغتنا” (What the Internet Is The Shallows: Doing to Our Brain)، الذي شرح بشكل رائع وعملي كيف تتحول أدمغتنا ويعاد برمجتها بتأثير استخدام الإنترنت والتقنيات التي انبثقت عنه كالشبكات الاجتماعية بأنواعها المختلفة. وقبل أن تتسرع بإطلاق أي أحكام عزيزي القارئ، أرجو ألا تظن بأن هذه المقالة هي للهجوم على الإنترنت، بقدر ما هي إضاءة بسيطة لمعرفة الاستفادة المثلى من الإنترنت.

يلعب الإنترنت دورا هائلا في تحويلنا إلى أشخاص سطحيين، وذلك لأن عملية القراءة من الإنترنت تزيد الإجهاد العقلي بشكل كبير. فأثناء القراءة عبر الإنترنت ننهمك بالعديد من النشاطات الأخرى التي لا تتعلق بفعل القراءة نفسه (كما تعودنا في القراءة من الكتاب، حيث يكون كل التركيز منصب على الصفحات التي أمامنا)، مثل:

  • فتح العديد من المقالات والروابط والقفز بينها.
  • انشغال العقل بعملية اتخاذ قرار بشأن أي مقالة من هذه المقالات المفتوحة أمامنا سوف نقرأ.
  • الإشعارات والتنبيهات التي تنهمر علينا من كل حدب وصوب.

هذه النشاطات المشتتة تقاطع التركيز وتقلل من قدرة الاستيعاب لدينا، ولهذا تفسير علمي واضح. إذ أن درجة وعمق الذكاء لديك يعتمد على قدرتك على نقل المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى (الذاكرة التي تستخدمها لتخزين المعلومات المتعلقة بالفعل الذي تقوم به حالياً) إلى الذاكرة بعيدة المدى. عندما تدخل المعلومات إلى الذاكرة بعيدة المدى، عندها فقط تكون قادراً على الاستفادة من هذه المعلومات في حياتك وفي وضع أفكارٍ متقدمة ذات قيمة فكرية عالية وهذا ما منح البشرية القدرة على الثراء الفكري الذي كان وراء بناء الحضارات العظيمة المختلفة. للذاكرة بعيدة المدى قدرة تخزينية هائلة، أما الذاكرة قصيرة المدى فهي هشة وحساسة جداً للتشتيت الذي يمكن أن يمسح المعلومات المخزنة فيها تماما، وهذه هي النقطة الحرجة التي تمنع نقل المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة بعيدة المدى.

لتبسيط الفكرة تخيل أن قراءتك لهذه المقالة تشبه تعبئة حوض ماء بكأس صغيرة تقوم بتعبئتها عبر صنبور ماء. هناك كمية معينة من قطرات المياه التي تقوم بتعبئتها في الكأس الصغيرة من الصنبور، ثم تنقلها وتسكبها في حوض الماء الكبير. بنفس هذه الآلية عندما تقوم بقراءة كتاب (صنبور المياه)، دون أي فعل خارجي مشتت آخر، فأنت عمليا تقوم بنقل كمية بسيطة ومحددة من المعلومات بواسطة الذاكرة قصيرة المدى ثم تسكبها في الذاكرة بعيدة المدى، بل ويقوم العقل أثناء هذه العملية بإنشاء علاقات قوية وترابطات ثرية بين هذه المعلومات والمعلومات المخزنة سابقا في الذاكرة بعيدة المدى، وهذه العلاقات هي العامل الأهم في تحويل هذه المعلومات إلى معرفة غنية وقيمة لديك.

إذاً في حالة الكتاب لدينا تدفق مستمر وثابت ومتسق من المعلومات التي تدخل في الذاكرة قصيرة المدى لتنقل إلى الذاكرة بعيدة المدى، أما في حالة الإنترنت فلدينا العديد وأحيانا العشرات من صنابير المياه، وكل منها يملأ الذاكرة قصير المدى بكمية صغيرة جدا من المعلومات (بضع قطرات في كأس المياه الصغيرة من كل مقالة مفتوحة)، وهذا يؤدي إلى ظاهرة الإغراق الإدراكي (Cognitive Overload)، حيث تغرق الذاكرة قصير المدى بالمعلومات، ويؤدي هذا إلى تراجع كفاءة الدماغ في حفظ هذه المعلومات، ناهيك عن تدهور قدرته في ربط هذه المعلومات المختلفة مع المعلومات السابقة المخزنة لديه، فلا تتحول هذه المعلومات إلى معرفة غنية وعميقة لدى الإنسان، وتبدأ السطحية الفكرية بالازدياد.

بالإضافة إلى الآلية السابقة، يميل الإنسان إلى القراءة السريعة عبر الإنترنت بدلاً من القراءة المتأنية العميقة، وهذا يزيد الطين بلةً، فضلا عن وجود عشرات المشتتات الأخرى، كالإشعارات والتنبيهات. فالإنسان يميل بطبيعته إلى الحصول على آخر وأحدث المعلومات المباشرة والتطورات الآنية، لأن هذا يشعره بأنه يواكب تطور الأحداث المتسارع، وبأنه غير منعزل عن بيئته، ولكن هذا التشتيت يأتي إلى حساب تشظي إمكانية التركيز لديه، حيث سيضطر الدماغ بعد أن تمت مقاطعته إلى العودة ثانية إلى المهمة الأصلية (قراءة المقال مثلا)، وهذه العودة تستغرق وقتا معينا recovery time يسميه علماء الأعصاب بـ”تكلفة التنقل” (switching costs)، وهذه التكلفة هي التي جعلت من مهارة “تعدد المهام Multi-tasking”-التي يدافع عنها الكثيرون-واحدة من أسوء المهارات الإدراكية على الإطلاق، لدورها الكبير من إعادة تشكيل ترابطات الدماغ على نحو سلبي، تؤدي إلى تراجع العمق الفكري والإدراكي لدى الإنسان، وتراجع كبير من إمكانياته العاطفية كمهارات التعاطف وتفهم مشاعر الآخرين (يقول المختصون أن التنقل بين عدة مهام في نفس الوقت يؤدي إلى ازدياد الوقت المخصص لإنجاز المهمة الواحدة بنسبة 25 بالمئة على الأقل).

ورغم هذه السلبية الكبيرة، إلا أن الإنترنت قام بتحسين عدد كبير من المهارات الإدراكية الأخرى عند الإنسان وأهمها:

  • مهارة التنسيق بين اليدين والعينين.
  • مهارة الاستجابة اللاإرادية (سرعة ردة الفعل).
  • معالجة الإشارة والمؤثرات البصرية بشكل أكثر سرعة وكفاءة.
  • مهارات حل المشاكل السريعة، مثل مهارة اكتشاف أنماط محددة ضمن كم كبير من البيانات. فمثلاً يمكن للإنسان الذي يستخدم الإنترنت بكفاءة أن يكتشف مدى فائدة مقالة معينة بالنسبة له بمجرد مسح وتصفح المقالة سريعا.

لذلك فالإنترنت يسهم بشكل كبير في تحسين مهارات التصفح والمسح السريع لعدد كبير من المقالات لمعرفة مدى فائدتها للقارئ Skimming and Scanning، ولكن المشكلة الكبرى هي عندما يصبح هذا الأسلوب في القراءة واكتساب المعرفة هو الأسلوب الوحيد لديه، على حساب المعالجة العميقة للمعلومات والتحليل الاستنتاجي والتفكير النقدي، والقدرة على التفكر بالمعلومات التي جمعها. فالأسلوب الصحيح يعتمد على القيام بالتصفح والمسح لاكتشاف المعلومات التي قد تكون مفيدة (الوسيلة)، ثم الانتقال إلى القراءة واكتساب المعرفة العميقة (الغاية).

من الفوائد الأخرى المهمة للإنترنت هي إبعاد الإنسان عن التلفاز (ومعظمنا يعلم أن إدمان التلفاز كان أحد الأوبئة السيئة في أمريكا وفي العديد من الدول)، وإتاحة الفرص الهائلة أمامه ليلعب دوراً في إنشاء ومشاركة المعرفة، بدلا من أن يكون مستهلك سلبي للمعلومات الفارغة، فضلا عن تعزيز تواصله الاجتماعي مع المجتمعات التي يشارك بها في إنتاج هذه المعرفة (المنتديات، المدونات، شبكات التواصل الاجتماعي)، خلافا لمشاهدة التلفاز والذي هو نشاط انعزالي فردي بالدرجة الأولى، وهكذا قام الإنترنت بتحويل وقت الفرد من ساعات ودقائق فردية مهدورة في مشاهدة التلفاز إلى فوائد اجتماعية وهذا ما يدعوه الكاتب الأمريكي Clay Shirky بالفائض الإدراكي Cognitive Surplus.

إن عدم إدراكنا للطريقة الصحيحة في الحصول على المعرفة عبر الإنترنت وافراطنا في استخدام النمط السريع لاكتساب المعلومات، سيسهم لا شك في تعزيز الضحالة الفكرية لدينا، أما على المستوى الجمعي، فسيؤدي مع مرور الزمن إلى الاضمحلال الثقافي لدى البشر، والذي هو الشرط الرئيسي لبناء حضارات متقدمة.

نحن نحتاج حقا إلى التقليل قدر الإمكان من ممارسة عادة تعدد المهام التي نقوم بتنفيذها في نفس الوقت، وذلك كيلا نبدد طاقتنا الذهنية والجسدية في القفز من مهمة إلى أخرى (تكلفة التنقل التي تحدثنا عنها قبل قليل)، والتركيز على المهمة التي بين يدينا، وخاصة عندما تكون المهمة تتعلق باكتساب معلومات ومعرفة جديدة.

ومن النصائح العملية لتعزيز مهارة التركيز لديك:

– أثناء عملك قم بتقسيم ساعات عملك إلى أجزاء، كل جزء يستغرق على الأكثر 90 دقيقة، وقم بأخذ قسط من الراحة (لمدة 15 دقيقة على الأقل) بين هذه الأجزاء. وخلال كل جزء قم بالتركيز المستغرق على المهمة التي هي بين يديك فقط، وعندما يطل التشتيت برأسه (وصول إشعار على صفحة Facebook الخاصة بك) قم بتذكير نفسك بأنك ستأخذ بعد قليل قسطا من الراحة، وستتطلع على كل التحديثات والأخبار التي تحاول تشتيتك الآن.

تذكر بأن قسط الراحة هذا مهم جدا لإعادة شحن بطاريتك.

  1. قم بالمهام الأصعب أولا لكي تستثمر طاقتك المفعمة في المهام التي تستغرق طاقة أكبر.
  2. حاول مقاومة الرغبة بفتح الكثير من صفحات الإنترنت في نفس الوقت وقم باتباع أسلوب صفحة واحدة فقط (one-tab browsing).

يقول علماء النفس الإدراكي بأن المستقبل هو للأفراد الذين يتمتعون بمهارة تركيز عالية، لأن هذه المهارة الواحدة-التي قد تبدو ظاهرياً بسيطة وبديهية-ستعزز لديهم مهارات أخرى أكثر تعقيداً وتشابكا، أما عشاق القفز من مهمة إلى أخرى، فسيمضون حياتهم في القفز دون الوقوف للحظات من أجل التقاط أنفاسهم والتفكر بالطريق التي أمامهم.

نشرت المقالة الأصلية على مدونة المحلل العربي

روابط مفيدة :

http://www.wired.com/magazine/2010/05/ff_nicholas_carr/
http://www.psychologytoday.com/blog/brain-wise/201209/the-true-cost-multi-tasking
http://www.theatlantic.com/magazine/archive/2008/07/is-google-making-us-stupid/306868/
http://99u.com/articles/7116/how-to-accomplish-more-by-doing-less
http://www.npr.org/templates/story/story.php?storyId=95256794
http://blog.bufferapp.com/what-multitasking-does-to-our-brains

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*