يبدو أن رواد (أباطرة) التكنولوجيا قد ترسخت أقدامهم في هذه المرحلة من مسارهم الميكافيلي، كما أوضح “سام ألتمان” في لقاءه الأخير، الذي فضح أكبر كذبة في هذا العصر: “الذكاء الاصطناعي في خدمة الانسانية”!!!
عندما يستحوذ المحتالون والمخادعون على رئاسة الشركات تظهر الامور الأكثر غرابة؛ يطمئنون لدرجة أنهم ينسون مواصلة مكائدهم، أو يفقدون قناعتهم بضرورتها، فتبدأ الشقوق بالظهور في حيلهم، مما يسمح برؤية ما وراء القناع، وانفضاح لنواياهم الحقيقية الخبيثة.
سام ألتمان نموذج غبيٌّ او متغابي بشكلٍ خطير… فهو يُعرف بنشره المستمر لأكثر دعايات الذكاء الاصطناعي سطحية، لكنه مؤخرًا زاد الطين بلة، وكشف عن أيديولوجيته الفاسدة تمامًا.
فقد اشتكى “ألتمان” كطفل مدلل من المقارنات “غير العادلة” بين كفاءة الذكاء الاصطناعي، والكفاءة البشرية؛ قائلا: “يتحدث الناس عن كمية الطاقة اللازمة لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي… لكن تدريب الإنسان يتطلب أيضاً الكثير من الطاقة؛ يستغرق الأمر حوالي 20 عاماً من العمر وكل الطعام الذي تتناوله خلال تلك الفترة قبل أن تصبح ذكياً.”
للوهلة الأولى، يبدو تشبيهًا بريئًا وغبياً لإعادة صياغة الوضع المتردي الحالي للذكاء الاصطناعي؛ لكن الحقيقة هي: أن مقارنته هنا ليست خاطئة فحسب، بل إنها تُجرّد الإنسان من إنسانيته بشكل كبير، لأنها تتجاهل قيمة الذكاء البشري، وتُلمّح بقوة إلى أن فلسفة “ألتمان” المعادية للإنسانية، بل واستبدادية بشكل جنوني واسع النطاق.
إنها مقارنة خاطئة ومُضللة للغاية، فهي تُوحي بأن الذكاء الاصطناعي والإنسان متساويان في القدرات، وأن الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وبشكل عام، أكثر كفاءة في كل مهمة يقوم بها، وهذا هراء محض، لأن أياً من هذه الادعاءات غير صحيحه ، وأساس المقارنة سخيف وخاطئ تماماً، هذه المقارنة تُقلل من قيمة التجربة الإنسانية وحقوق الإنسان والحياة البشرية، هذه المسألة الأخلاقية سنتناولها لاحقاً، ولكن دعونا نتناول المسائل التقنية أولاً.
لنبدأ بحقيقة أن البشر ما زالوا أكثر قدرة بكثير من الذكاء الاصطناعي، حيث
يمكننا الاستشهاد بالعديد من الدراسات لإثبات ذلك، ولكن الأنسب هي الدراسة التي أجراها مركز سلامة الذكاء الاصطناعي (CAIS) وشركة Scale AI، حيث هدفت الدراسة إلى معرفة مدى فائدة الذكاء الاصطناعي في العالم الحقيقي، فقاموا بتكليف ستة من نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة بمهام عمل حرة حقيقية وقاسوا معدل نجاحها، واكتشفوا أن أفضل النماذج لم تتمكن من إكمال سوى 2.5% من المهام، أي أن معدل فشلها 97.5%!!!
لكي تكون مقارنة “ألتمان” صحيحة ولو بشكل طفيف، يجب أن يمتلك كل من البشر والذكاء الاصطناعي قدرات متقاربة، لكن في الواقع، لا يزال الذكاء الاصطناعي بعيدًا جدًا عن أن يكون حتى قريبًا من مستوى البشر.
ولن تُسد هذه الفجوة قريبًا، ولا لاحقاً، فقد أظهر استطلاع رأي واسع النطاق أُجري مؤخرًا بين باحثي الذكاء الاصطناعي أن 76% منهم يعتقدون أن تقنية الذكاء الاصطناعي الحالية لا يمكن تطويرها إلى مستوى الذكاء الاصطناعي العام (AGI)؛ بعبارة أخرى، لكي يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرات معرفية مماثلة للإنسان، سيتطلب الأمر مناهج وتقنيات جديدة كليًا، وليس مجرد تطوير التقنية الحالية، كما يفعل قطاع الذكاء الاصطناعي اليوم!
وكان من المفترض أن يكون “ألتمان” على دراية بهذا، نظرًا لأن ورقة بحثية حديثة صادرة عن OpenAI وجدت أن زيادة قوة الحوسبة أو بيانات التدريب لا يمكنها الحد من “أوهام الذكاء الاصطناعي”، وأنه لا توجد لديهم طريقة عملية لذلك؛ لأن الهلوسات ليست سوى أخطاء في الذكاء الاصطناعي، وهي السبب الرئيسي لارتفاع معدلات الفشل التي رصدتها أنظمة مثل CAIS، وهذا يعني ببساطة أن ضخ المزيد من الموارد في منظومة الذكاء الاصطناعي، كما يحاول “ألتمان” وغيره فعله، لن يُحسّنها، ناهيك عن تقريبها من الذكاء الاصطناعي العام.
لكن، لنفترض جدلاً أن الذكاء الاصطناعي لا يقل كفاءة عن البشر. حسنًا، ما زلنا أكثر كفاءة في كل مهمة وفي التعلم. في الواقع، نحن أكثر كفاءة بشكل مذهل!
يستهلك الدماغ البشري 12 واط فقط من الطاقة، أي أقل من معظم مصابيح LED. هذا يعني أنه خلال فترة العشرين عامًا التي يستغرقها الإنسان لينمو ويكتسب الذكاء، يستهلك ما يقارب 2102 كيلوواط ساعة من الطاقة. ولتوضيح ذلك، هذه الطاقة تفوق بقليل ما تستهلكه سيارة كهربائية متوسطة في عام (حوالي 8000 ميل سنويًا بمعدل 3.8 ميل لكل كيلوواط ساعة).
استهلك نموذج ChatGPT-3 الأقدم والأصغر حجمًا والأقل كفاءة ما يُقدّر بـ 1287 ميغاواط/ساعة أثناء التدريب. هذا يعني أن دماغ الإنسان يستهلك 0.16% فقط من الطاقة اللازمة لتدريب نموذج ذكاء اصطناعي قديم. ولتوضيح ذلك، فإن الطاقة المستخدمة لتدريب ChatGPT-3 تكفي لقيادة سيارتنا الكهربائية لمسافة تقارب خمسة ملايين ميل، وسيستغرق قطع هذه المسافة 612 عامًا من الاستخدام العادي.
لكن المفاجأة تكمن في أن ChatGPT-5 يُقدّر أنه يستهلك طاقة أكبر بكثير أثناء التدريب، نظرًا لكونه نموذجًا أكبر حجمًا بكثير [.]
إن ما ذكره “ألتمان” كان تلميحاً إلى نزعةٍ استبداديةٍ ديستوبيةٍ تتجاوز حدود الإنسانية، وانفضاح أكبر كذبة في هذا العصر “الذكاء الاصطناعي في خدمة الانسانية”؛ انه لخدمة التوحش الرأسمالي!!!
لكن السؤال الأهم الان هو: هل يمكننا إدراك علامة الانذار الحمراء والتحرك حيالها بمسؤولية كبشر؟
