قوى التغيير: المدن الذكية ( 2.0)

  • — السبت أبريل 21, 2018

الكاتبان : “جون سكورن” و “ويليام إيغرس”*

كانت المدن الذكية تركز في الماضي على ربط البنية التحتية للحصول على رؤى أفضل،  وبات الاهتمام يتحول وبوتيرة بطيئة إلى إشراك الحكومات والمواطنين والشركات بشكل أفضل بهدف توفير خدمات أفضل ونوعية حياة جيدة في المدينة.

فما هي إذاً  المدينة الذكية 2.0 (Smart City 2.0) على وجه التحديد؟

لقد أصبحنا اليوم على مشارف الجيل التالي من التطور الحضري، حيث أصبحت مدن الغد الذكية تتخطى في مهمتها توفير البنى التحتية المترابطة والأشياء الأذكى إلى إشراك الحكومات، والمواطنين، والزائرين، والشركات في نظام ذكي ومتصل، والهدف من ذلك هو: تحسين خدمات المدينة وتحقيق نوعية أفضل للحياة، حيث يعزز هذا التطور ، أي المدينة الذكية 2.0 ، تجربة المواطنين، كما يعزز عملية صنع القرار في المدينة باستخدام نماذج ثلاثية الأبعاد – البيانات الرقمية ، والتصميم (المستخدم).

وبالرغم من أن مجالات التركيز في المدن لا تزال هي ذاتها – وهي إنشاء بيئات صالحة للعيش تكفل للناس والشركات حياة مزدهرة – إلا أن الطرق المتبعة لتحقيق هذا الهدف في تطور متواصل، فقد أصبحت المدن وبشكل متزايد، تضع البيانات اللازمة في أيدي المستخدمين النهائيين لتحفيز عملية صنع القرار بشكل أفضل، فهم يستغلون الذكاء الجماعي لمقوماتهم في إيجاد حلول لبعض أصعب المشكلات الحضرية، حيث أنها تتبنى منهجًا يساعد في استخدام التقنية لإعادة تصور عمليات المدينة الأساسية.

هذه التحولات تؤدي إلى التحول في تنمية المدن وتعديل الأدوار التقليدية للحكومات والشركات والسكان.

 ومع تطور الحكومات بحيث تصبح عوامل تمكين للحلول، وتصبح الشركات أيضاً أكثر تشاركية، ومع زيادة أعداد كوادر المبدعين المشاركين في العمل، ستصبح مدن الغد الذكية أكثر ارتباطًا وتواصلاً وتعاونًا.

ما هي المدن الذكية؟

قامت العديد من المدن في الآونة الأخيرة بتحديث بنيتها التحتية، باستخدام تقنية الاستشعار وتحليلات البيانات لإدارة الأصول الحضرية بشكل أفضل مثل النقل العام، وأنظمة مياه الصرف الصحي، والطرق. وتشتمل رؤية “البنية التحتية المترابطة” هذه على ما يعرف بالمدينة الذكية 1.0 – وهي الأصول المادية التي يتم توصيلها عبر تقنية أجهزة الاستشعار التي تولد تيارات من البيانات القيمة من عدادات مواقف السيارات “الذكية” وأضواء الشوارع وحتى صناديق القمامة.

بالنسبة للمدن التي لم تتقدم بعد في مسيرة المدينة الذكية، لا تزال هذه رؤية مهمة، حيث يمكن لأجهزة الاستشعار المتصلة التي تجمع البيانات أن تساعد المدن في تحسين أداء بنيتها التحتية المادية، وتشكل جزءًا أساسيًا من العناصر اللازمة  لبناء المدينة الذكية.

وقد بدأ العالم يشهد تباشير الجيل القادم من التطور العمراني– المدينة الذكية 2.0 (Smart City 2.0) – حيث بدأت بعض المدن الأكثر تقدمًا تتخطى مجرد البنية التحتية، مستفيدة من حكمة سكانها وزوارها. وفي نهاية المطاف ، لن يقتصر دور مدن الغد الذكية فقط على دعم الحكومة، بل ستمتد إلى المواطنين، والزائرين، والأعمال التجارية في نظام بيئي ذكي متصل، ويقوم على بنية تحتية مادية تستند إلى أجهزة الاستشعار.

وإلى جانب تحسين البنية التحتية، تركز المدينة الذكية 2.0 (Smart City 2.0) على تعزيز تجربة المواطن من خلال العمل عند تقاطع البيانات، والخدمات الرقمية ثلاثية الأبعاد، والتصميم المرتكز على الإنسان، حيث يهدف كل ذلك إلى تمكين عملية صنع القرار بشكل أفضل من خلال استخدام البيانات المقدمة من كافة الجهات ذات العلاقة ― الحكومة ، والأعمال التجارية ، والسكان.

إن المحور الرئيسي لنشاط أي مدينة ذكية يجب أن يكون شعبها، وذك من خلال توفير مزايا مثل:

  • نوعية حياة أفضل للسكان والزائرين
  • القدرة التنافسية الاقتصادية لجذب الصناعة والمواهب
  • تركيز بيئي واعي على الاستدامة

هذه الأهداف الثلاثة – نوعية الحياة ، القدرة التنافسية الاقتصادية ، والاستدامة – يمكن أن توفر الأساس الذي يمكن أن تستند إليه مبادرة المدينة الذكية، حيث يوفر إطار ديلويت للمدينة الذكية (Deloitte’s smart city framework) في (الشكل 1) العدسة التي يمكن للتقنية من خلالها زراعة بذور التغيير في ستة مجالات حضرية وهي: الاقتصاد، والتنقل، والأمن، والتعليم، والمعيشة، والبيئة[1]. ويمكن لهذا الإطار أن يساعد المدن في مسيرتها نحو المدينة الذكية.

اطار ديلويت للمدينة الذكية

ويقدم مشروع SmartSantander في سانتاندير بإسبانيا، نظرة مبكرة على مساعدة  البيانات والمواطنين في كيفية تحويل المدينة إلى مكان أكثر استدامة من الناحية البيئية، وأن تكون جذابة ومستجيبة اقتصاديًا وتوفر نوعية حياة أفضل لسكانها.[2] فبالإضافة إلى 20،000 جهاز استشعار ركبت في المدينة، يمكن للسكان تحويل هواتفهم الذكية إلى أجهزة استشعار عن طريق تنزيل تطبيق “نبض المدينة” (PoC)، وبذلك يصبح السكان بمثابة أجهزة استشعار ذكية متنقلة للمدينة، ويلعبون دور “المستفيدين” في مشروع SmartSantander.

كما يمكن لمسؤولي المدينة تحليل البيانات في الوقت الحقيقي لتعديل استخدام الطاقة، وعدد شاحنات القمامة اللازمة في أسبوع معين، وحتى كمية المياه للرش على مروج حدائق المدينة. ويمكن للمواطنين بشكل أساسي الاستفادة من هذه البيانات عبر تطبيق PoC واستخدامها لاحتياجاتهم اليومية، كما للمسافرين والمتنقلين الحصول على معلومات حركة المرور في الوقت الحقيقي لتخطيط التنقلات ومعرفة موعد الحافلة التالية. وأيضاً لمرضى الربو تخطيط يومهم لتجنب المناطق ذات التلوث العالي ، في حين يمكن لسائقي المركبات استخدام التطبيق لتتبع ما يتحقق من تقدم في الطلبات المقدمة لصيانة الطرق،  وجعلت المدينة أيضًا المعلومات متاحة للمطورين لإنشاء خدمات للمستهلكين، وعلى سبيل المثال، يتضمن SmartSantanderRA، وهو تطبيق للهواتف المحمولة المعززة، معلومات عن أكثر من 2700 شاطئ ومنتزه ومواقع أخرى بالمدينة.[3]

هذا التدفق للمعلومات في اتجاهين يسمح للمدينة بإطلاق قيمة هائلة، مما يخلق نظامًا بيئيًا للمعلومات يمكن أن يستفيد منه جميع المشاركين.[4]

لماذا تعد المدن الذكية مهمة؟

المدن الذكية مهمة لأن المدن بطبيعتها مهمة، فلطالما كانت المراكز الحضرية محركات للنمو الاقتصادي والفرص، فقد أشار تحليل للبنك الدولي الذي شمل 750 مدينة حول العالم إلى أنه في الفترة من عام 2005 وحتى عام 2012، تجاوز النمو الاقتصادي في 72 في المائة من المدن اقتصاداتها الوطنية،[5] ومن المتوقع بحلول عام 2025 أن تستحوذ أعلى 600 مدينة في العالم على ما نسبته 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتمثل لندن اليوم قرابة خُمس الناتج الإجمالي للمملكة المتحدة،[6] وفي الولايات المتحدة يمثل الممر الشمالي الشرقي (من بوسطن إلى واشنطن العاصمة) ومنطقة لوس أنجلوس الحضرية معاً نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي الوطني.[7]

العالم يشهد تركيزًا متواصلاً للسكان في المدن، ويمكن للمدن غير المجهزة للتعامل مع النمو أن تواجه تأثيرات سلبية على البيئة والسكان، وقد أصبح هذا التحدي أكثر أهمية حيث أن العديد من المراكز الحضرية في جميع أنحاء العالم تمر بنمو هائل، ومن المتوقع خلال العقود الثلاثة القادمة، أن ينمو معدل التحضر بشكل حاد (الشكل 2)،[8] وفي الوقت الحالي، يعيش أكثر من نصف سكان العالم في البلدات والمدن، وبحلول عام 2050، يمكن أن يرتفع هذا الرقم إلى حوالي 66 في المائة، مما يضيف أكثر من 2.5 مليار شخص إلى سكان المناطق الحضرية.[9]

الشكل (2): سكان المناطق الحضرية والريفية في العالم خلال الفترة بين عامي 1950 و2050م (بالآلاف).[10]

ويضع التحضر السريع ضغوطاً هائلة على المراكز السكانية، ويمثل تحدياً للمدن لتوفير الاستدامة البيئية وضمان الأمن المادي والسلامة للسكان، والتطورات الاقتصادية لا تمثل تقدمًا حقيقيًا إذا تسببت في تدهور حالة الهواء والماء والتربة، بالإضافة إلى ذلك، خطر ارتفاع معدلات الجريمة والفقر والاضطرابات المدنية يجعل المدن أكثر هشاشة، ولتفادي هذه التحديات تسعى معظم المدن المزدهرة جاهدة لتحقيق النمو المستدام والمرن أيضًا، وبالتالي تمثل تقنية المدن الذكية جزءًا من الحل.

علاوة على ذلك، فإن الحكومات ليست الكيانات الوحيدة التي تواجه تحديات النمو الحضري؛ فالشركات تتأثر أيضًا بنفس العوامل، حيث أنها تعيد تقييم قدرتها على دفع النمو المستمر، ولكي تتمكن الشركات من اجتذاب المواهب المتعلمة التي يحتاجها، يجب أن تجعل المدن مكاناً ملائماً للعيش، بالإضافة إلى أن تلعب الشركات دوراً نشطاً بشكل متزايد في كونها شركات وطنية نافعة، مما يعني أن تكون شريكًا نشطًا في النظام البيئي الحضري.

وأخيراً ، تدور المدن الذكية حول أهم مقومتها وهم : البشر، ويشكل النفوذ الاقتصادي للمدن عاملاً مهماً يجذب الأفراد الموهوبين إلى الهجرة نحو المراكز الحضرية، وتستجيب المدن من خلال إيجاد الأساليب اللازمة لدفع عملية صنع القرار بشكل أفضل، ليس فقط من قبل الحكومة ولكن من قبل رجال الأعمال والسكان، والاستفادة من الذكاء الجماعي للمدينة.

تمكين اتخاذ قرارات أكثر ذكاء

تساعد المدن الذكية ليس فقط على تمكين الأشياء الذكية، ولكنها أيضاً تعمل على تمكين اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً. وتستخدم المدينة الذكية فعلاً تقنية لتعزيز اتخاذ قرارات أفضل لمسؤولي المدينة وسكانها.

إن تركيب أجهزة الاستشعار التي تجمع البيانات لتحسين أداء الأجهزة المادية يعد جزءًا من ما يلزم لتحقيق المدينة الذكية، ففي عمّان بالأردن، على سبيل المثال، اعتمدت المدينة منهجًا يعتمد على البيانات لتبسيط عملية إدارة النفايات.[11] حيث باستطاعة مسؤولو المدينة الآن مراقبة بعض العوامل مثل حمولة النفايات لكل منطقة وحل الشكاوى وتتبع المركبات من خلال نظام جديد لإدارة الأسطول. ويتم الآن إعادة توجيه شاحنات القمامة التي كانت تُعاد فارغة تقريبًا إلى الطرق التي تركت فيها الشاحنات الممتلئة بعض النفايات.

وتطبق المدن بنية تحتية ذكية مشابهة لأضواء الشوارع، واستخدام المياه، وإدارة حركة المرور، وغير ذلك، وبفضل البيانات الجديدة التي يتم جمعها من خلال استشعار البنية التحتية، يمكن للمدينة اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً.

تحقيق الذكاء الجماعي: التفاعل العمراني الجديد

الذكاء الجماعي ليس جديدًا، فدائما ما تظهر مجموعات من الناس، ولاسيما العائلات والجيوش وفرق العمل، بدرجات متفاوتة من الذكاء الجماعي، بل يتجلى الذكاء الجماعي حتى في مجموعات من الحيوانات: أسراب الحشرات وأسراب الطيور قادرة على تجميع المعلومات المستقاة من أفراد المجموعة الفردية للعثور على الطعام وأماكن التعشيش.[12]

يشير توماس مالون Thomas Malone ، مؤسس مركز الاستخبارات الجماعية في معهد ماساتشوستس للتقنية، إلى أن تقنية الإنترنت ساهمت في تمكين أشكالًا جديدة من الذكاء الجماعي كانت مستحيلة قبل بضعة عقود فقط. حيث يسمح لنا العالم المؤتمت لإنترنت الأشياء (IoT) بأن نأخذ فكرة مالون Malone إلى مدى أبعد؛ المواطنون الذين يحملون الهواتف النقالة القادرة على التقاط المعلومات ونقلها وتلقيها يشكلون تفاعلاً رقميًا للرصيف، ويساهمون في مكونات المعرفة المحلية والأفكار والآراء التي تؤدي إلى قرارات أكثر ذكاءً.

تأمل إحدى التجارب في مدينة بوسطن؛ عملية سلامة الأغذية المعتادة في المدينة التي اختار فيها مفتشو الصحة المطاعم عشوائياً لمزيد من التدقيق لم تكن مثالية، وفي الوقت نفسه، تستضيف بوابة بيانات المدينة مجموعات البيانات المتاحة للاستخدام العام في عمليات التفتيش على سلامة الأغذية في المطاعم وغيرها من جوانب حياة المدينة، وذلك لتحسين استهداف المطاعم التي تحتاج إلى اهتمام اكثر، واشتركت المدينة مع شركة يلب Yelp ومدرسة هارفارد للأعمال Harvard Business School في رعاية مسابقة مفتوحة وأتاحت بيانات فحص المطاعم في بوسطن ومراجعات مطاعم يلب Yelp التي يعود تاريخها إلى عام 2006 لأكثر من 700 متسابق، وكان الهدف هو تطوير خوارزمية من شأنها التنبؤ بالمخالفات الصحية وتمكين مسؤولي المدينة من استهداف المطاعم بشكل أفضل لعمليات التفتيش.

وقام المشاركون بتحليل نص المراجعات، بما في ذلك الكلمات والعبارات الشائعة، وقام الاقتصاديون في هارفارد بتقييم الطلبات المقدمة مقابل عمليات التفتيش الفعلية للمدينة والتي شملت 364 مطعماً نفذت في الأسابيع الستة التي تلت المنافسة، وكان القرار: استخدام الخوارزمية الفائزة كان من شأنه أن يجعل المفتشين أكثر إنتاجية في الكشف عن الانتهاكات بنسبة 30-50 في المائة.[13]

التصميم المرتكز على الإنسان يعزز الذكاء الجمعي، وهو محور حركة المدينة الذكية، فباستخدام تطبيق المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي لتجميع شكاوى المواطنين، تمكنت مدينة بوينس آيرس من أن تصبح أكثر استجابةً وتحسنًا في جميع معايير الحياة تقريبًا،[14] وبالمثل، تستخدم مدينة بوسطن أجهزة الاستشعار في الهواتف لرسم الطرق الوعرة وتمكين السائقين من الإبلاغ عن الحفر بأنفسهم، وبعبارة أخرى ، بيانات المدينة + المواطنين الأذكياء = قرارات أفضل للمدينة.[15]

صعود المدينة – كمنصة

يمكن اعتبار هذه الشراكة الجديدة لتبادل المعلومات بين المدينة والسكان والأعمال التجارية بمثابة “المدينة-كمنصة”. وهناك بعض الأمثلة على هذا النوع من النهج ونتائج القرارات المحسنة التي يمكن أن تولدها:

  • في عام 2013 ، سعت مدينة أمستردام إلى توسيع محطات قياس جودة الهواء الموجودة لديها وعددها 11 محطة، فقد أرادت المدينة قياسًا لجودة الهواء على مستوى الشارع لم تدعمه البنية التحتية الحالية. والأكثر من ذلك ، أن جهاز قياس نوعية الهواء الحالي كان مكلفًا للغاية وغير قابل للتطوير، فقررت المدينة اتخاذ مسار مختلف لمعالجة هذه المشكلة[16]، وقامت بإطلاق مختبر المواطنين الذكي في أمستردام، وقدم المختبر منصة للمواطنين والعلماء والمهندسين والمصممين لتطوير أدوات استشعار منخفضة التكلفة وسهلة التركيب والصيانة لقياس درجة الحرارة والرطوبة والضوء والصوت وأول أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين، كان المواطنون مشاركين نشطين وكانوا يدرسون كيفية تحميل البيانات إلى النظام الأساسي عبر الإنترنت.[17]
  • قامت هيئة لندن الكبرى بإنشاء لوحة معلومات لندن، وهي مستودع بيانات مركزي متاح لسكان لندن مجاناً، يتم تنظيم البيانات حول الخدمات العامة الرئيسية، مما يتيح لسكان لندن تطوير البيانات الأولية في مجموعات بيانات وتطبيقات ومواقع ويب جديدة، مع تشجيع الشفافية وإدارة أفضل من قبل السلطات في المدينة.[18]

الأمثلة أعلاه تقدم نظرة سريعة على مفهوم المدينة كمنصة: دور الحكومة في التحول من “فعل الأشياء” إلى تمكين المشاركة من خلال الابتكار المدني. ومع بدء المدن بتعزيز الخبرة اللامركزية، يمكنها اعتماد طريقة جديدة للحوكمة تستخدم فيها المناطق التقنية لإعادة الابتكار، وأحياناً إعادة تأهيل العمليات الجوهرية.[19]

ما هي تأثيرات المدن الذكية؟

الانعكاسات على الحكومة : تتطور المدن كبوتقة تجمع لحلالي المشاكل

في مسيرة المدن لكي تصبح أكثر ذكاءً ، يمكن لسلطات المدن أن تعزز إيجاد بيئات يمكنها مساعدة مبتكري الأنظمة البيئية – بما في ذلك الحكومة والشركات والأعمال التجارية وأصحاب المشاريع الاجتماعية والأفراد – في أن يزدهروا، وتساعد الحكومات على بناء المنصات، وتوظيف نظام بيئي من الشركاء، وتحميل الشركاء المسؤولية عن النتائج المستهدفة، وجذب الاستثمارات الجديدة، وفتح الخدمات للاختيار، وإدارة الحشود والمبادرات الجماعية،[20] وهذا يتطلب منهم تجميع نظام بيئي من الشركاء من مختلف الجهات الحكومية والشركات الكبرى والناشئة والقطاع الأكاديمي والمجتمع غير الربحي.

بناء هيكل للحوكمة

المدن الذكية تحتاج إلى وجود نظام للحوكمة محدد بوضوح، لأنه يعمل على بناء نظام بيئي موحد ومتنوع من أصحاب المصلحة، ويمكن لقادة المدن، والحكومات الإقليمية، ومناطق النقل، والشركاء من الشركات والمؤسسات غير الربحية (بناءً على نموذج التمويل الذي تعمل عليه) والوكالات الحكومية والهيئات الفيدرالية المشاركة في صياغة وتنفيذ رؤية ذكية للمدينة، وينبغي أن يكون أصحاب المصلحة قادرين على التعبير عن مسؤولياتهم وضمان تدفق المعلومات المناسبة إلى صناع القرار، ومن الضروري أيضاً إرساء دعائم مبدأ المساءلة مع إيجاد آليات لدفع القرارات في الوقت المناسب.[21]

تطوير تدفقات التمويل المستدامة والمبتكرة

يشكل التمويل عقبة رئيسية أمام العديد من مبادرات المدن الذكية، وتعاني العديد من المشاريع المبتكرة في انطلاقتها بسبب نقص التمويل، ومع ذلك ، يمكن للمدن مواجهة هذا التحدي من خلال أساليب مبتكرة لتمويل مشاريع المدن الذكية التي تخرج عن دائرة النماذج التقليدية لتمويل البنية التحتية.

سوف تلعب نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) دورًا هامًا في تمويل المدن الذكية، ومع ذلك ، فإن نجاح النموذج سيعتمد على كيفية إعادة توزيع المخاطر والحوافز بين الكيانات العامة والخاصة،[22] ويمكن لبعض الأساليب الجديدة التي بدأت العمل بالفعل تقديم مسار يقود هذه المساعي إلى الأمام.

ويمكن للمدن تقييم أصولها، كأحد الأساليب، وتحديد الموارد التي يمكن استثمارها، كما يعد فهم القيمة النسبية للأصول لكل من المدينة والقطاع الخاص أمرًا بالغ الأهمية، فعلى سبيل المثال، من خلال برنامج LinkNYC الخاص بمدينة نيويورك، تقوم هذه المدينة باستبدال أكشاك الهواتف القديمة لديها بأكثر من 7500 من الأكشاك الرقمية التي توفر للمواطنين خدمة الواي فاي المجانية عالية السرعة للزوار وخدمات توجيه الزوار وأجهزة الاستشعار لمراقبة البيانات البيئية، وستستخدم إيرادات الإعلانات من مثل هذه الأكشاك لتغطية تكاليف التركيب وصيانة المعدات والإعلانات الرقمية.[23]

الانعكاسات على القطاع الخاص : التوافق مع أهداف المدينة الذكية

توفر حركة المدينة الذكية فرصة للشركاء من المؤسسات الربحية وغير الربحية المشاركة مع الحكومات، وعادة ما تلجأ حكومات المدن التي تعاني من ضائقة مالية إلى استكشاف فرص المشاركة مع القطاع الخاص، وبالتالي ، يتعين على المؤسسات أن تكون سباقة في إيجاد الفرص ذات المنفعة المتبادلة.

على سبيل المثال، أقامت مدينة كولومبوس، بولاية أوهايو الأمريكية شراكات استراتيجية مع الكيانات الخاصة بينما كانت لا تزال تناضل من أجل منحة المدن الذكية، واصل الشركاء من القطاع الخاص داخل وخارج ولاية أوهايو المساهمة في صندوق تسريع الوصول إلى مدينة كولومبوس الذكية، وأشارت منحة الحكومة الفيدرالية للمستثمرين المحتملين أن مبادرة مدينة كولومبس الذكية (Smart Columbus) كانت قابلة للتطبيق، ومتطورة ، ومن المرجح أن تنجح، لتشجيع الشركات ليس فقط على تمويل المبادرات بل أيضا على استكشاف فرص خاصة بها لتحقيق النمو في شكل رسوم المستخدم.[24] وفي النهاية ، تمكنت المدينة من مضاعفة تمويلها المبدئي البالغ 50 مليون دولار إلى أكثر من 500 مليون دولار عن طريق بناء نظام بيئي كبير بالتعاون مع شركاء المدينة الذكية.

آثار المدينة الذكية على السكان

مشاركة السكان في بناء المدينة الذكية

في حين أن المواطنين هم المستفيدون النهائيون من أي مبادرة للمدن الذكية، لإأنه يمكن أيضًا إشراك المواطنين في المساعدة على تطوير حلول تتمحور حول المواطن(المستفيد)، ويمكن للسكان أن يكونوا مصدرًا مهمًا لتوليد البيانات، وتطوير الحلول، واختبارها لكل من الحكومات والشركات.

بناء السياسات المشتركة والعمل جنبًا إلى جنب مع مصمميها هو أحد المجالات التي يمكن للسكان العمل فيها باعتبارهم الأكثر تأثراً بتلك السياسات، فعلى سبيل المثال ، تناول المركز الأسترالي للابتكار الاجتماعي مسألة “العائلات الفوضوية” (العنف الأسري وإساءة معاملة الأطفال وتعاطي المخدرات) عن طريق المشاركة في تصميم حل يسمى “من العائلة ومن أجل العائلة” مع الأشخاص الذين تسعى إلى دعمهم، وتسمح هذه الوسائل المشتركة في مساعدة مصممي السياسات في بناء نماذج أولية أفضل واختبارها في سيناريوهات واقعية ، مما يزيد من فعاليتها عند التطبيق.[25]

المواطنون كأدوات للاستشعار

لا تقتصر الإبداعات المشتركة على مجال بناء السياسات فقط، فمع الانتشار المتزايد للأجهزة القابلة للارتداء والمتصلة بالإنترنت، يمكن للمواطنين المشاركة في توليد البيانات نفسها، فمثلاً تطبيق FixCascais في مدينة كاسكايس (Cascais) بالبرتغال، يسمح للمواطنين بتصوير الحوادث والمشاكل وإبلاغ الخدمات البلدية عنها،[26] والبيانات التي يتم جمعها من خلال هذه الأنواع من البرامج لا يمكنها فقط أن تساعد على اتخاذ القرار في المدن، بل تسمح أيضاً بتخصيص أفضل وخبرات في تصميم الخدمات للسكان.

وفي مدينة لويزفيل (Louisville) بولاية كنتاكي الأمريكية، على سبيل المثال، كانت قد اكتسبت سمعة سيئة باعتبارها واحدة من أسوأ المدن التي تنتشر في مسببات اضطرابات التنفس،[27] وللتصدي للمشكلة، طورت المدينة برنامج (AIR Louisville) وهو برنامج للشراكة بين القطاعين العام والخاص يستخدم تحليلات البيانات لإعلام الجمهور بشأن المحفزات التي تؤدي إلى تفاقم الربو، وجلب التقنية اللازمة لهذا المشروع، وهو جهاز استشعار يعلق على جهاز استنشاق الربو، بواسطة شركة (Propeller Health)، وهي الشركة المصنعة لأجهزة الاستشعار.

يقوم جهاز الاستشعار بجمع البيانات حول البيئة المحيطة في كل مرة يستخدم فيها الفرد جهاز الاستنشاق، ويمكن للمستهلكين عرض بيانات التقارير من خلال تطبيق الهاتف الذكي، ويمكن للمستخدم بعد ذلك تحديد العوامل التنفسية الشخصية – الوقت خلال اليوم ، والموقع، ودرجة الحرارة، وغبار الطلع، والتلوث، كما يتم تقديم هذه البيانات لمقدمي الرعاية الصحية، وتمكينهم من تخصيص خطة شخصية لإدارة الربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن لدى المشاركين. وقد ساعد برنامج (AIR Louisville)  في عامه الأول المشاركين على تقليل استخدام أجهزة الاستنشاق للتغلب على نوبات الربو بنسبة 82 بالمائة كما زادت الأيام الخالية من مسببات الربو إلى الضعف.[28]

مستهلكين مواطنين مخولين

يمكن للمواطنين، مسلحين بالبيانات والأدوات الصحيحة أن يصبحوا أكثر نشاطًا واتصالًا وتعاونًا وتشاركاً في حركة المدينة الذكية، وبعض الأمثلة الأقدم تظهر بالفعل في مجال الاستدامة، حيث تبذل وكالات الطاقة جهودها لتبسيط فواتير الكهرباء والاطلاع على البيانات من الشبكة الذكية.[29]

شركة (Opower)، وهي شركة تعمل في قطاع الطاقة، تقوم بإعداد تقارير عن الطاقة المنزلية باستخدام مزيج من بيانات المرافق حول نمط استهلاك المستخدم والبيانات المزودة بمصادر خارجية من مستخدمي الطاقة أنفسهم، ثم يقوم باختبار تجربة المستخدمين من خلال السماح لهم بإكمال التحديات والمشاركة في المجموعات وكسب النقاط والشارات المرتبطة بتخفيض استهلاك الطاقة.[30] وبذلك ، فإنها تساعد المستهلكين على اتخاذ قرارات أفضل لأنفسهم، مع المساهمة في أهداف سياسة الطاقة التي تخدم الصالح العام.

ماذا يجب ان نفعل ؟

إليك بعض الطرق التي يمكن بها للمدن والشركات والمواطنين بدء رحلاتهم نحو تحقيق المدينة الذكية:

أولاً : الحكومة

  1. البدء بنموذج أعمال جذاب. بتقديم بفكرة يمكن لسكان المدينة أن يفهموها والتعبير عنها بسهولة.
  2. توظيف الجهود المتاحة. فبدلاً من مشروع واحد ضخم، قم بإنشاء مجموعة من المشاريع، ولكل منها نموذجه الخاص.
  3. تبني أسلوب مرحلي يمكنه تحقيق سلسلة من “المكاسب الصغيرة”. عملية إثبات النجاح مبكراً أمر مهم ، لذا قم بتنظيم الموارد لتحقيق ذلك.
  4. التواصل طوال الرحلة. لا تقلل من شأن إدارة التغيير والاتصالات – تغيير الثقافة وكسب العقول يستغرق وقتاً.
  5. التركيز على النتائج. اختر ثلاثة أشياء لإعلانها كنجاحات تحققت بعد عام واحد من الآن لإظهار التقدم.

ثانياً : الشركات، والمنظمات غير الربحية، والمؤسسات الاجتماعية

  1. البحث عن فرص للشراكة مع المدن. البحث عن مبادرات تطابق الأهداف التنظيمية؛ كالنظام البيئي المتنامي للشركاء في مدينة كولومبس، بولاية أوهايو الأمريكية يوضح لنا كيف يمكن للجهات المشاركة غير الحكومية أن تلعب دوراً مهماً في دفع مبادرات المدينة الذكية.
  2. النظر إلى ما هو أبعد من مجرد التمويل لمبادرات المدينة الذكية. تحديد الفرص التي يمكن أن تضيف قيمة إلى المدينة وإلى الأعمال، إن الموازنة بين المخاطر والحوافز بين الكيانات العامة والخاصة ستكون أمراً ضرورياً للغاية.

المواطنون

  • القيام بدور استباقي كمبدعين مشاركين في تشكيل سياسات ومبادرات المدينة الذكية.
  • أن تكون واعياً ومعبّراً عن التغيير الذي سيترتب على المدينة الذكية، تكوين فهم أفضل حول التقنيات الناشئة وتحديد آثارها على الأمن والخصوصية.

في عصر النمو المتسارع الذي نعيشه الآن، ستقوم التقنيات الناشئة بتشكيل الطريقة التي تتغير بها المدن. وسيقوم السكان والشركات بشكل متزايد بدور مركزي في توجيه مستقبل مدننا، مع تمكين الحكومات من المشاركة.

—–

* الكاتبان:

ويليام إيغرس  William D. Eggers  هو المدير التنفيذي لمركز Deloitte’s Centre for Government Insights ومقره في مدينة أرلينغتون بولاية فيرجينيا.

جون سكورن John Skowron هو رئيس شركة الاستشارات العالمية للقطاع العام ومقرها في مدينة بيتسبرغ ، بولاية بنسلفانيا.

 

المصدر: www2.deloitte.com

[1] Rana Sen, William Eggers, and Mahesh Kelkar, Building the smart city, Deloitte, January 2018. View in article

[2] Deloitte, “Client stories: Santander,” accessed January 8, 2018. View in article

[3] Ibid. View in article

[4] Ibid. View in article

[5] The World Bank, Competitive cities for jobs and growth, 2015. View in article

[6] Jon Kelly, “London-centric,” BBC News, September 30, 2015. Further data can be found at the UK Office of National Statistics. View in article

[7] Parag Khanna, “A new map for America,” New York Times, April 15, 2016. View in article

[8] United Nations Department of Economic and Social Affairs, World urbanization prospects, the 2014 revision, 2015. A summary can be found here: United Nations Department of Economic and Social Affairs, “World’s population increasingly urban with more than half living in urban areas,” accessed November 15, 2017. View in article

[9] Ibid. View in article

[10] Ibid. View in article

[11] Sen, Eggers, and Kelkar, Building the smart cityView in article

[12] William Eggers, Jim Guszcza, and Michael Green, Making cities smarter: How citizens’ collective intelligence can guide better decision making, Deloitte University Press, January 23, 2017. View in article

[13] Ibid. View in article

[14] Deloitte, “Client stories: Buenos Aires,” accessed January 8, 2018. View in article

[15] Eggers, Guszcza, and Green, Making cities smarterView in article

[16] Laurence Henriquez, Towards community driven data collection, WAAG, 2016. View in article

[17] Deloitte, “Client stories: Amsterdam,” accessed January 24, 2018. View in article

[18] Monitor Deloitte, Smart cities: Not just sum of its parts, February 19, 2018. View in article

[19] Gerard Grech, “Cities as platforms,” TechCrunch, August 7, 2015. View in article

[20] Government 2020, “Mega shifts: Government as an enabler,” Deloitte, accessed December 19, 2017. View in article

[21] Sen, Eggers, and Kelkar, Building the smart cityView in article

[22] Steve Hamilton and Ximon Zhu, Funding and financing smart cities, Deloitte, October 2017. View in article

[23] Ibid. View in article

[24] Michael Flynn and Tiffany Fishman, Using public-private partnerships to advance smart cities, Deloitte, January 2018. View in article

[25] Government 2020, “Co-created policy,” Deloitte, accessed December 22, 2017. View in article

[26] Deloitte, “Client stories: Cascais,” accessed February 1, 2018. View in article

Lung Institute, “The best and worst places to live with COPD,” March 25 2016 [25] James

[27]Lung Institute, “The best and worst places to live with COPD,” March 25, 2016; James Bruggers, “Louisville gets failing grade for pollution,” Courier Journal, April 20, 2016. View in article

 

[28] Flynn and Fishman, Using public-private partnerships to advance smart citiesView in article

[29] Government 2020, “Driver: Empowered citizen consumer,” Deloitte, accessed January 2, 2018. View in article

[30] William Eggers and Paul Macmillan, A billion to one: The crowd gets ersonal, Deloitte University Press, 2015. View in article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*