سمي القلب صدرا لحلوله به، وفي التنزيل العزيز: قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله [آل عمران: 29]. والسلام والسلامة: البراءة.
وقيل: “القلب السليم الذي يحب للناس ما يحبه لنفسه، قد سلم جميع الناس من غشه وظلمه، وأسلم لله بقلبه ولسانه، ولا يعدل به غيره”.
وقيل: “القلب السليم هو الذي ليس فيه شيء من محبة ما يكرهه الله، فدخل في ذلك سلامته من الشرك الجلي والخفي، ومن الأهواء والبدع، ومن الفسوق والمعاصي؛ كبائرها وصغائرها، الظاهرة والباطنة، كالرياء والعجب، والغل والغش، والحقد والحسد، وغير ذلك”.
الفرق بين سلامة القلب (الصَّدرِ) والبله والتغفل
يقولُ العلامة ابن القيم -رحمه الله-: “والفرق بين سلامة القلب والبله والتغفل: أن سلامة القلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيسلم قلبه من إرادته وقصده، لا من معرفته والعلم به، وهذا بخلاف البله والغفلة؛ فإنها جهل وقلة معرفة، وهذا لا يحمد؛ إذ هو نقص، وإنما يحمد الناس من هو كذلك؛ لسلامتهم منه، والكمال أن يكون القلب عارفا بتفاصيل الشر، سليما من إرادته، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لست بخب، ولا يخدعني الخب”. وكان عمر أعقل من أن يخدع، وأورع من أن يخدع، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ [سورة الشعراء]، فهذا هو السليم من الآفات التي تعتري القلوب المريضة، من مرض الشبهة التي توجب اتباع الظن، ومرض الشهوة التي توجب اتباع ما تهوى الأنفس؛ فالقلب السليم الذي سلم من هذا وهذا” [الروح)) (243، 244)].
التَّرغيبُ في سلامةِ الصَّدرِ
قال ابن رجب -رحمه الله-: (أفضل الأعمال سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها، وأفضلها السلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع، التي تقتضي الطعن على سلف الأمة، وبغضهم والحقد عليهم، واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم، ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين، وإرادة الخير لهم، ونصيحتهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، وقد وصف الله تعالى المؤمنين عموما بأنهم يقولون: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة الحشر]؛
ويقول ابن القيم -رحمه الله-: (والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل، والحقد والحسد، والشح والكبر، وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله).
فوائِدُ سلامةِ الصَّدرِ
سلامةِ الصَّدرِ سبيل لدخول الجنة، فهي صفة من صفات أهلها، ونعت من نعوتهم؛ قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(43)﴾ [ سورة الأعراف]. قال ابن عطية -رحمه الله-: (هذا إخبار من الله عز وجل أنه ينقي قلوب ساكني الجنة من الغل والحقد، وذلك أن صاحب الغل متعذب به، ولا عذاب في الجنة).
سلامةِ الصَّدرِ فيها اقتداء بالنبي -ﷺ- وتأسيا به، فهو -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم- أسلم الناس صدرا، وأطيبهم قلبا، وأصفاهم سريرة.
سلامةِ الصَّدرِ تكسو صاحبها حلة الخيرية، وتلبسه لباس الأفضلية، كما في حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي-ﷺ- لما سئل: أي الناس أفضل؟ قال: ((كل مخموم القلب، صدوق اللسان. قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو النقي التقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد))؛ (يقال: رجل مخموم القلب: إذا كان نقي القلب من الغل والحسد). فقوله -ﷺ-: ((مخموم القلب)) (أي: سليم القلب؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ [سورة الشعراء]، من خممت البيت: إذا كنسته…، فالمعنى: أن يكون قلبه مكنوسا من غبار الأغيار، ومنظفا من أخلاق الأقذار).
سلامةِ الصَّدرِ من كمال الإيمان فـ (المؤمن يسره ما يسر أخاه المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير، وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغل والغش والحسد؛ فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير، أو يساويه فيه؛ لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء).
سلامةِ الصَّدرِ تجمع القلب على الخير والبر والطاعة والصلاح، فلا يجد القلب راحة إلا فيها، ولا تقر عين المؤمن إلا بها؛ فهي تزيل العيوب، وتقطع أسباب الذنوب، فمن سلم صدره، وطهر قلبه عن الإرادات الفاسدة، والظنون السيئة، عف لسانه وجوارحه عن كل قبيح.
صُوَرُ لسَلامةِ الصَّدرِ
صاحب الصدر السليم يأسى لآلام العباد، ويشتهي لهم العافية، أما التلهي بسرد الفضائح، وكشف الستور، وإبداء العورات، فليس مسلك المسلم الحق؛ ومن ثم حرم الإسلام الغيبة؛ إذ هي متنفس حقد مكظوم، وصدر فقير إلى الرحمة والصفاء)، ومن صور سلامة الصدر:
سلامة الصدر مع الناس عامة، وإخوانه ومقربيه والأصحاب خاصة، فلا يحمل لهم في قلبه غلا ولا حسدا، ولا غيرهما من الأمراض والأدواء القلبية التي تقضي على أواصر المحبة، وتقطع صلات المودة، والنصيحة لهم، وقبول النصيحة منهم.
سلامة الصدر مع ولاة الأمر، فلا يحمل عليهم الحقد، ولا يذكر مثالبهم عند العامة من الناس، ويكون نصوحا لهم، مشفقا عليهم ويدعوا لهم، ويذكرهم بخير أعمالهم وصفاتهم.
سلامة صدور الولاة على الرعية، فلا يكثر من الشكوك فيهم، ولا يتربص بهم أو يتجسس عليهم، أو يؤذيهم في أموالهم أو ممتلكاتهم، ويكون مشفقا عليهم، ساعيا وراء راحتهم وتيسير أمورهم.
سلامة صدور العلماء وطلبة العلم كل منهما للآخر، فهم يقفون أمام الناس يفتونهم ويعلمونهم ويرشدونهم، فلا بد من سلامة الصدر، ونقاء السريرة والنصح.
سلامة الصدر لأهل الفضل، وأعظمهم أصحاب رسول الله -ﷺ-؛ لا تذكرن لأحد منهم رضوان الله عليهم- زلة؛ فإنه إن لم يكن في حسناتهم ما يعفي على سيئاتهم، ففي عظيم عفو الله ما يسع سيئاتهم، واعلم أن الله تعالى لم يأمرك باتباعهم وهو يرضى منك بعيبهم!
والله تعالى هو الأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه.
