جاء في القرآن الكريم في سورة غافر، ذكر «المُسرِفٌ المُرتابٌ» في قول الله ﷻ: ﴿ … كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هُوَ مُسرِفٌ مُرتابٌ(٣٤)﴾، و «المُتَكَبِّرٍ الجَبّارٍ» في قوله تعالى: ﴿ … كَذلِكَ يَطبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ(٣٥)﴾.
ثم وصفَ «المُسرِفٌ المُرتابٌ»، فقال جل شأنه: ﴿الذين يجادلونَ في آياتِ الله﴾: أي الآيات التي بينت الحقَّ من الباطل وصارت من ظهورها بمنزلة الشمس للبصر؛ فهم يجادلون فيها على وضوحها لِيَدْفَعوها ويُبْطِلوها ﴿بغير سلطانٍ أتاهم﴾؛ أي: بغير حجَّة وبرهان، وهذا وصفٌ لازمٌ لكلِّ من جادل في آيات الله؛ فإنَّه من المحال أن يجادلَ بسلطان؛ لأن الحقَّ لا يعارضه معارضٌ؛ فلا يمكن أن يعارضَ بدليل شرعيِّ أو عقليٍّ أصلًا. ﴿كَبُرَ﴾: ذلك القول المتضمِّن لردِّ الحقِّ بالباطل ﴿مقتًا عند الله وعند الذين آمنوا﴾: فالله أشدُّ بغضًا لصاحبه؛ لأنَّه تضمَّن التكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل ونسبته إليه، وهذه أمورٌ يشتدُّ بغض الله لها، ولمن اتَّصف بها، وكذلك عباده المؤمنون يمقتون على ذلك أشدَّ المقت موافقةً لربهم، وهؤلاء خواصُّ خلق الله تعالى؛ فمقتُهم دليلٌ على شناعة مَن مقتوه.
ثم وصف حال «المُتَكَبِّرٍ الجَبّارٍ»:
﴿كذلك يطبعُ الله على كلِّ قلبِ متكبرٍ جبارٍ﴾: أي كل متكبر في نفسه على الحقِّ بردِّه، وعلى الخلق باحتقارِهِم، جبارٍ بكثرة ظلمه وعدوانه.
والذين هذا وصفُهم؛ السرفُ والكذبُ والتكبر على الحق وعلى الخلق بكثرة ظلمه وعدوانه، ولا ينفكُّ عنها، لا يهديه الله ولا يوفِّقه للخير؛ لأنه ردَّ الحقَّ بعد أن وصل إليه وعرفه؛ فجزاؤه أن يعاقِبَه الله بأن يَمْنَعَه الهدى؛ كما قال ﷲ تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغَ الله قلوبَهم﴾، وقوله عز شانه: ﴿ونقلِّبُ أفئدتَهم وأبصارَهم كما لم يؤمِنوا به أولَ مرَّةٍ ونَذَرُهم في طغيانهم يَعْمَهون﴾، وقوله جل وعلا: ﴿واللهُ لا يهدي القوم الظالمينَ﴾.
[العلامة ابن سعدي(رحمه الله)]
