«مزاعم البنك الدولي الإحصائية الزائفة بإعلان خروج ملايين البشر من الفقر لا تنفع أحداً»

  • — الجمعة أغسطس 01, 2025

قراءة في كتاب «استكشاف مسألة الفقر» للأستاذة الفخرية في علم الاقتصاد في جامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي): “أوتسا باتنايك”، الذي يدحض زيف الكثير من المفاهيم والمنهجيات الإحصائية التي تتناول الفقر وتستخدم لتبرير سياسات الخصخصة ” النيوليبرالية” التي أدّت إلى تدهور معيشة الغالبية.

يستند الكتاب إلى حالة الهند ويكشف عن تناقض صارخ بين الإحصاءات الرسمية ومؤشرات الجوع الحقيقية؛ فبينما تدّعي الدولة أن الفقر تراجع إلى 5%، تُظهر بيانات التغذية تدهوراً متواصلاً في استهلاك الغذاء وتزايداً حاداً في الحرمان الغذائي. 

ضجّت وسائل الإعلام بتصريحات صادرة عن البنك الدولي وبعض الحكومات، تزعم أنّ «ملايين البشر خرجوا من دائرة الفقر» في بلدان الجنوب العالمي على امتداد الأربعين عاماً الأخيرة.

تدّعي الهند، التي أصبحت الآن الدولة الأكثر سكاناً في العالم، أن 5% فقط من سكانها كانوا فقراء في العام 2022–2023. غير أنّ بيانات استهلاك الغذاء في الهند تُظهر ازدياد الجوع بشدة في المناطق الريفية والحضرية على السواء في خلال المدة نفسها، فيما تدهور ترتيب الهند، المتدنّي أصلاً، في مؤشّر الجوع العالمي.

حتى المواطنون المتعلّمون يصدّقون هذه الادعاءات الرسمية ويقولون: «كيف للجوع أن يزداد بينما الفقر يتراجع؟».

يجب السؤال أن يُطرح بالعكس: «كيف تراجع الفقر بينما الجوع يزداد؟” تستند المعطيات التي توثّق تفاقم الجوع إلى إحصاءات واضحة ويسهل التحقق منها، على عكس التقديرات الرسمية لمعدلات الفقر، التي تعتمد منهجيّات حساب غير مباشرة، بل غريبة وغير منطقية، كما أوضحت في كتابي، لإنتاج نتائج تُستخدم لتبرير الحديث عن تراجع الفقر.

لم تستخدم الأساليب الإحصائية غير المنطقية منذ البداية، فقد كان يُحدَّد خط الفقر في كل بلد بناءً على ما تُظهره مسوح نفقات المستهلك: المستوى الفعلي للإنفاق الذي يكفي لتلبية الحاجات الغذائية المعتمدة.

غير أن هذه القاعدة أُهملت لاحقاً، إذ توقفت الدول عن استخدام معيار التغذية في التقديرات الجديدة، واكتفت بتعديل خط الفقر الأصلي عبر مؤشّر أسعار المستهلك. هذا يعني تثبيت سلة السلع والخدمات الخاصة بسنة الأساس لعقود عدّة، على الرغم من أن هذه السنة، في حالة الهند، تعود إلى أكثر من نصف قرن.

هذا منهج غير منطقي في جوهره؛ لا يمكننا أن نعتمد تعريفاً لخط الفقر مشتقاً مباشرة من معيار التغذية في سنة ما، ونطلق عليه اسم «سنة الأساس»، ثم ننتقل في السنوات التالية إلى تعريف مختلف تماماً لخط الفقر لم يعد مرتبطاً بالتغذية (على الرغم من توفر بيانات تغذوية راهنة)، بل يُكتفى فيه بتطبيق مؤشر أسعار على خط الفقر القديم. ينطوي هذا الإجراء على مغالطة منطقية، أو خطأ في التفكير، يطلق عليه علماء المنطق اسم «مغالطة اللَّبس»، حيث يُستخدم المصطلح ذاته – هنا «خط الفقر» – بمعنيين مختلفين تماماً داخل الحجة الواحدة.

وقد ارتكبت الحكومات والبنك الدولي هذه المغالطة بشكل متكرر، لا مرة أو مرتين، بل على مدى عقود.

وقد بيّنا أن خطوط الفقر التي تعتمدها هذه الجهات أصبحت، بشكل تراكمي، أقل من الواقع، ما أدى إلى خفض الحد الأدنى المقبول من السعرات الغذائية المسموح بها للفقراء. لقد جرى احتساب الفقراء وفق معيار يتراجع باستمرار، لا على أساس ثابت، حتى بلغنا اليوم مستوى من العبث، حيث أصبحت خطوط الفقر الرسمية منخفضة إلى حدّ لا يسمح بالحياة نفسها.

ثم يُفسَّر غياب أو قلّة من يقع تحت هذا الخط، بسبب انعدام الناجين أو نُدرتهم، على نحو مغلوط باعتباره انعداماً للفقر أو انخفاضاً حاداً فيه.

يكفي سوى لشراء 3 إلى 3.5 ليترات من الماء. والفقراء في الواقع لا يشترون المياه المعبأة، لكن المثال يوضّح مدى ضآلة هذا الخط.

أما الادعاء الرسمي الحالي بأن نسبة الفقر لا تتعدى 2% من السكان، فينتج عن مزيد من الربط بمؤشر الأسعار، وتخفيض كمية التغذية الممكن الحصول عليها، بحيث لم يعُد هناك من يبقى حيّاً تقريباً.

من خلال فصل منهجية التقدير عن معيار التغذية، انتُهك مفهوم «خط الفقر» ذاته، وفي كل مرة بدرجة أكبر. على سبيل المثال، بلغت النسب الرسمية للفقر الريفي في العام 2011 في ولايتي غوا وغوجارات 6.8% و21.5% على التوالي، لكن عند خطوط الفقر التي أُنتِجت هذه النسب على أساسها، لم يكن بالإمكان الحصول إلا على 1,570 و1,668 سعرة حرارية يومياً.

أما النسبة الفعلية للسكان الذين يعيشون في فقر، أي غير القادرين على بلوغ معيار 2,200 سعرة حرارية، فكانت 81.5% و87% على التوالي.

لم تأتِ أيّ جهة، سواء لجنة التخطيط (التي أصبحت تُعرف اليوم بـ«نيتي آيوغ»)، أو البنك الدولي أو الأكاديميون الذين يستخدمون المنهجية الرسمية، على ذكر الحقيقة الواضحة بشكل فاضح: التراجع الحاد في مستوى التغذية الممكن الحصول عليه عند خطوط الفقر الرسمية المتعاقبة، وهي حقيقة تجعل تقديراتهم زائفة.

لقد كان تجاهل هذه الحقيقة أمراً ملائماً لكلٍّ من الحكومات والبنك الدولي وخبرائهما الاقتصاديين، لأنه أتاح لهم الادّعاء بتحقيق تخفيض وهمي للفقر في خلال مرحلة الإصلاحات “النيوليبرالية” التي روّجوا لها ونفّذوها.

كنتُ قد حذّرتُ في ورقة نُشرت في العام 2013 من أنّ المنهجية الرسمية الخاطئة منطقياً ستقود قريباً إلى مزاعم زائفة بالقضاء التام على الفقر، وهذا ما حدث بالفعل. وأيّ شيء يمكن أن يكون أكثر لا منطقية وعبثاً من استخدام سلة استهلاك تعود إلى 50 عاماً مضت، لاستنتاج «خطوط فقر» حالية متدنّية إلى حدّ لا يسمح للناس بالبقاء على قيد الحياة، ثم تفسير غياب الملاحظات، بسبب غياب الناجين، على أنه دليل يُحتفى به على تحقيق «صفر فقر»؟

هذا البناء المعقّد من الأوهام الإحصائية الزائفة لا بدّ من تفكيكه في كل بلد؛ آنذاك يغدو ممكناً السعي بصدق إلى تخطيط مسار يُخرج البشر من ربقة الفقر.


The Wire