استمطار الصيف… هل يجعلها البذر السحابي “صيبا نافعاً غير ضار”؟!

  • — الإثنين أغسطس 11, 2025

شهدت إندونيسيا فيضانات بصورة غير مسبوقة في عام (2020)، واجهتها الحكومة بـ “استمطار السحب” أو ما يعرف بـ “البذر السحابي” لإجبار السحب على تفريغ حمولتها من المياه في المحيط، قبل أن تسقط في العاصمة “جاكرتا” وتزيد من معاناتها مع الفيضانات.

وفي عام (2024) هطلت أمطار غزيرة على دولة الإمارات، أدت إلى غمر أجزاء من الطرق السريعة الرئيسية، وترك المركبات مهجورة على الطرق في جميع أنحاء دبي وتسبب في توقف حركة المرور في المطار الدولي الضخم في المدينة بشكل كامل لعدة ساعات.

وهناك أماكن أخرى عانت من هذا الأمر الذي دفع بعض خبراء إلى التساؤل بشأن إمكانية استدعاء تلك التجربة في مناطق أخرى من العالم لمواجهة الاضطرابات المناخية، ومنها الفيضانات، تحدت صيفاً خلال شهر أغسطس ، بسبب الهطول الكثيف للأمطار، وهو مشهد ليس معتادا خلال شهور الصيف، وهو ما يفسره البعض بأنه نتيجة للتغيرات المناخية، لكن كارثة الفيضانات التي تحدث تثبت عشوائية “البذر السحابي”، وأن الدراسات والتجارب السابقة لم تصل لنتائج دقيقة يمكن الاعتماد عليها في عمليات الاستمطار، وهل يكون استدعاء تجربة “الاستمطار الصناعي” صيفاً حل أم خلل؟!

كيف يحدث السقوط الطبيعي للأمطار و كيف تجري عملية الاستمطار الصناعي؟

يحدث السقوط الطبيعي للمطر عندما تتبخر المياه من المسطحات المائية، أو تنتج عن النتح من المسطحات الخضراء، وتتجمع على شكل بخار في الهواء، تتكون السحب، وعندما تصل كميات المياه إلى حد التشبع بحيث تصبح أكبر من أن تتحملها طاقة الهواء يحدث سقوط الأمطار.

ورغم أن كميات البخار تزيد خلال الصيف بسبب ارتفاع درجة الحرارة، فإن طاقة الهواء الساخن على حمل المياه تكون كبيرة، حيث يرتفع حد التشبع، لذلك عادة لا تسقط الأمطار.

ولكن مع تغير المناخ، والارتفاع الكبير في درجة الحرارة الذي زادت معه كمية التبخر في بعض المناطق، أصبحت كمية المياه أكثر من المعتاد وأعلى من حد التشبع وقدرة الهواء الساخن على حملها، فيحدث هطول الأمطار الذي يكون كثيفا وفي وقت قصير جدا، لأن الهواء يكون محملا بكميات كبيرة من المياه.

أما عملية الاستمطار الصناعي أو البذر السحابي، فهي تتم من خلالها تلقيح السحب، عن طريق إضافة جزيئات صغيرة من مركب كيميائي “يوديد الفضة”؛ ملح ذو بنية بلورية مشابهة لبنية الجليد، وذلك بالنسبة للسحب الباردة (-5 درجة) وملح “كلوريد الصوديوم” بالنسبة للسحب الدافئة، وعادة ما يتم تنفيذ هذه العملية باستخدام طائرة عادية أو مسيرة.

وتسمح هذه الطريقة بـ “خداع” بخار الماء الموجود داخل السحب ليشكل قطرات حول جزيئات يوديد الفضة أو “كلوريد الصوديوم” وبمجرد أن تصبح القطرات ثقيلة بدرجة كافية، فإنها تتساقط من السحب على شكل أمطار.

وأفادت التقارير أنه عام 2016 دفعت روسيا 86 مليون روبل (1.44 مليون يورو أو 1.43 مليون دولار) لإجراءات الاستمطار السحابي لضمان عطلة جافة في عيد العمال.

وعلى العكس من روسيا، سعت الصين إلى تلطيف الأجواء قبل دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية في بكين عام 2008، فكان الحل هو الاستمطار الصناعي.

واليوم، فإن التطبيق الأشهر هو استخدام هذه الطريقة لجعل المطر يهطل في المناطق التي تعاني من الجفاف، والتي تحتاج إلى هطول منتظم للأمطار، وليس هطولا كثيفا يصبح أكبر من طاقة التربة على استيعابه، أو وجود شبكات تصريف للسيول في العديد من المناطق؛ فلا يصبح نافعاً وقد يضحى ضار.

هل جرعة واحدة مكثفة من دواء الاستمطار كافية لعلاج مرض الجفاف؟ 

الهطول الكثيف للأمطار كالذي يحدث خلال أغسطس في بعض المناطق، يشبه جرعة واحدة مكثفة من دواء مسكن، لا يكفي لعلاج مرض الجفاف، لإن علاج الجفاف يحتاج إلى برنامج بيئي مستدام تهطل خلاله الأمطار على فترات منتظمة.

وكشفت مراجعة بحثية نشرتها دورية “أنكونفينشنال ووتر ريسورسز” -في مايو ٢٠٢٢- عن فعالية “تلقيح السحب” في زيادة هطول الأمطار بنسبة تصل إلى 15% من المعدل السنوي، اعتماداً على الموارد السحابية المتاحة والأنظمة التقنية المستخدمة، وهو ما دفع الكثير من الدول إلى التوسع في استخداماته لتسكين آلام الجفاف!!!

مشكلات دون إجابات شافية

رغم ما يبدو من مزايا لهذه التقنية في “تسكين آلام الجفاف” أو مواجهة الهطول الغزير للأمطار، فإن هناك أسئلة (مشكلات) تنتظر إجابات كافية وشافية، حتى تحصل هذه التقنية على مزيد من الثقة بأنها نافعة وليست ضارة: 

أولها، التكلفة: فبينما يقول المعارضون إنها تكلف أموالا ضخمة، يقول المؤيدون “التكلفة منخفضة نسبيا، مقارنة بقيمة المياه”. والواقع لا توجد دراسات جدوى واضحة تجيب عن سؤال التكلفة، مقارنة بتقنيات أخرى لتوفير المياه مثل التحلية”.

وثانيها، مدى سلامة تقنية الاستمطار الصناعي: حيث تتحدث تقارير عن أن تلك التقنية يمكن أن تتسبب في زيادات “غير محسوبة” بمعدلات هطول الأمطار تسبب الكثير من الإضرار، وأيضا لا توجد دراسات واضحة تجيب على هذا التساؤل الهام!!!

هذه المشكلة أشار أليها باحثون من فرعي جامعة “هيريوت وات ” في دبي وأدنبره بالمملكة المتحدة، حيث كشفت دراسة منشورة في نوفمبر ٢٠٢٣ بدورية “ووتر” أن الاستمطار، وإن كان قد ساعد على زيادة كمية هطول الأمطار، فإن الزيادة كانت أكبر من قدرة البنية التحتية على استيعاب الزيادة في السريان السطحي للمياه، مما يقتضي إحداث تعديلات بالتخطيط العمراني، بما يتلاءم مع التوسع في هذا النشاط.

وثالثهما، احتمالات التلويث: المواد الكيميائية المستخدمة مثل “يوديد الفضة” في البذر السحابي على نطاق واسع في تلقيح السحب، يمكن أن تؤدي التلوث وإلى خلل في النظام البيئي؛ فحسب تصنيف المنظمات العالمية، ومنها مكتب البيئة والصحة والسلامة بجامعة بيركلي، كاليفورنيا بالولايات المتحدة، يصنف “يوديد الفضة” بأنه مادة كيماوية غير عضوية، خطرة، لا تذوب في الماء، وسامة للإنسان والأسماك. وتفهرس وكالة حماية البيئة الأمريكية مادة “يوديد الفضة” ضمن المواد الخطرة والسامة، وبالتالي قد تسبب المواد المستخدمة في بذر السحب ضرر على الأحياء!!!

وهناك مشكلات أخرى يمكن أن تثيرها عملية الاستمطار الصناعي، وهو ما يتعلق بأنك إذا قمت بالبذر السحابي فوق منطقتك لمكافحة الجفاف، فلن تحمل تلك السحب المطر إلى المنطقة التالية بعد تفريغها، وهذه المشكلة تناولته دراسة نشرتها دورية “أتموسفيريك ريسيرش” في يناير 2014، وخلصت من خلال تجربة شملت 5 تجارب تشغيلية وبحثية، إلى التقليل من تأثيرها، لكن باحثيها اتفقوا على أهمية إجراء دراسات على مساحات أكبر وتتعامل مع مجموعة أكبر من البيانات، للوصول إلى قرار حاسم بشأن هذه المشكلة.

ونخلص من ذلك إلى… أن أخطار استمطار السحب أمر يجب حسمه؛ حيث يواجه استمطار السحب عدة عقبات ومخاطر محتملة على البيئة والنباتات والحيوانات وصحة الناس، وقد تؤثر أيضا على الأنماط المناخية والغلاف الجوي، ومنها:

  • التأثير على البيئة: قد يتسبب الاستمطار الصناعي تأثيرات سلبية على البيئة المحيطة، مثل تلوث المياه والتربة بمواد كيميائية ضارة، وبالتالي يؤدي إلى تأثيرات على النظم البيئية والتنوع الحيوي.
  • التأثير على النباتات: قد تتأثر النباتات بتغيرات في نمط الأمطار والتربة الناجمة عن استخدام التقنية المتعلقة بعملية الاستمطار الصناعي؛ بالتالي يمكن أن يؤدي ذلك إلى تغيرات في النمو والتكاثر وتوزيع النباتات.
  • التأثير على الكائنات الحية: قد يتأثر الحيوانات والطيور والكائنات الحية بالتغيرات في الموارد المائية والغذائية نتيجة لتغير نمط الأمطار الناجم عن عملية الاستمطار الصناعي؛ وبالتالي يمكن أن يؤدي ذلك إلى تأثيرات على الحياة البرية ونظم الغذاء والهجرة.
  • التأثير على صحة الناس: قد يتعرض الأشخاص لمواد كيميائية مستخدمة في عمليات الاستمطار الصناعي، والتي قد تؤثر على صحتهم على المدى الطويل؛ الأمر الذي يتطلب استخدام تقنيات الصحة والسلامة المهنية لتقليل الأخطار المحتملة.
  • التأثير على الأنماط المناخية والغلاف الجوي: قد تؤثر تغييرات في نمط الأمطار والتكاثف الناجمة عن استخدام التكنولوجيا المتعلقة بالاستمطار الصناعي على الأنماط المناخية والمعاملات الجوية. يجب أن يتم دراسة هذه التأثيرات بعناية لتقييم النتائج المحتملة.

تدابير تخفيف الآثار السلبية لعملية الاستمطار الصناعي

هناك حاجة إلى اتخاذ تدابير للتخفيف من تلك التأثيرات السلبية التي منها على سبيل المثال:

  • استخدام مواد مكثفة آمنة وغير ضارة لتلقيح السحب.
  • الحفاظ على معايير الصحة والسلامة المهنية في تنفيذ عمليات الاستمطار الصناعي.
  • إجراء دراسات بيئية وتقييمات محايدة تأثيرها البيئي وتحديد الأخطار المحتملة وتطوير إجراءات ملائمة للحد منها.
  • الالتزام التام بالمعايير الدولية والقوانين المحلية المتعلقة بحماية النظام البيئي وصحة الإنسان والحيوان والنبات والكائنات الحية.

وبشكل عام، فعالية “تلقيح السحب” يجب حسمها بدراسات مستفيضة ومزيد من الأبحاث لتقييم التأثيرات البيئية والصحية والمناخية للاستمطار الصناعي وتحديد الحلول الملائمة للتعامل مع أي آثار سلبية محتملة.

والله الموفق.