[عندما تنقلب الوسائل إلى غايات، والغايات إلى وسائل وثمرة التفريق بينهما؟!]

  • — السبت أغسطس 16, 2025

تعرَّف الوسيلة على أنها كلُّ ما لم يُقصَد بعينه وإنَّما استُعمِل للوصول إلى مَقصِد. أما الغاية فهي الهدف والمقصد الأسمى.

ويتَّضح مفهوم المصطلحين من خلال المثال التالي:

هَبْ أنّ مجموعة أشخاص أرادوا التنقُّل من منطقة (أ) إلى منطقة (ب) فحدَّدوا وقت الانطلاق، وعندما حان موعِدُ الانطلاق، أتى أحدُهُم بسيارته والآخر بدرَّاجته النَّارية وآخر بدرَّاجتِه الهوائيَّة والأخير مُرتَجِلا، فانطلق الجميع ووصلوا إلى المنطقة (ب) مع الاختلاف في الزمن المستغرق لكل منهم؛ الغاية كانت هي الوصول إلى المنطقة (ب)، أما وسائل الوصول فكانت مختلفة.

كيف تتحول الوسائل إلى غايات، والعكس؟

بقدْرَ ما يُركِّز الإنسان نَظَره في الوسائل يزيد ابتعادُهُ عن الغايات، إلى أن تُصبِح الوسيلة هي غاية؛ في المثال السابق الذين اجتمعوا للذّهاب إلى المنطقة (أ)، لكن اختلفوا في الوسيلة فأخذوا يُناقِشُون في اختيار الوسيلة ساعات طوال حتى استغرقوا من الوقت ما يكفيهم جميعا للوصول إلى غايتهم، فضيَّعُوا الغاية بتركيزهم على الوسيلة.

وعندما تختلُّ العلاقة بينها تتحوَّل الوسائل إلى غايات والعكس، وهذا الانقلاب يكون من نتائجه: 

  1. عدم الإبداع في الوسائل: لأن الإنسان عندما يهتم بالغايات فإنّه يحاول تطوير الوسائل والإبداع فيها حتى يحقِّق غايته في أقرب وقت وبأقلِّ جُهد. ولكن إذا كان الاهتمام بالوسائل ذاتها فإنَّها تبقى ثابتة ومنحصرة على بعض الوسائل فقط.
  2. غياب المرونة: لأنَّ الاهتمام بالوسائل يجعل الإنسان يتشبَّث بها مهما كانت الأحوال، فالذي أراد الذهاب إلى المنطقة (ب) مرتجلا، ولو بعُدت تلك المسافة وشقت عليه هو أكثر تشبّت بتلك الوسيلة رغم أنها غير صالحة في هذا الظرف.
  3. تضييع المقاصد وغياب الوٍجهة والوقوع في المحظور: لأن الاهتمام بالوسائل فقط تجعل الإنسان يسعى إلى الحصول عليها بكلِّ الطرق ولو كانت محرّمة، ومثال ذلك ما يلي: “جعل الله تعالى المال للعيش الحسن وكسب رضاه، فإذا ما أُهمِلَتْ هذه الغاية وعَزَلْنا كسب المال عنها حصلت الوسيلة بالغشِّ والسَّرقة والرِّبا وغير ذلك…
  4. ضياع الوجهة والأهداف الأساسية والمخرجات عندما تنقلب الوسائل إلى غايات، فإن ذلك غالبًا ما يؤدي إلى ضياع الرؤية والوجهة والأهداف الأساسية والمخرجات؛ يتحول التركيز من تحقيق الهدف الأساسي إلى الاهتمام بالوسائل نفسها، مما يؤدي إلى فقد المسار الصحيح، والانشغال بتفاصيل غير ضرورية وهامشية تؤدي إلى اضاعة الوقت والجهد والمال!

    ثمرة التفريق بين الغايات و الوسائل:

    عندما نفرق بين الغاية والوسيلة بإدراك حيْثِيّات كلِّ واحد منهما، وعدم تحول وانقلاب الوسائل إلى غايات، فتضيع الوجهة والرؤية والأهداف والمخرجات.

    كما أن من ثمرة التفريق بينهما تطوير الوسائل وتَحْقِيق الغايات؛ تطوير الوسائل، أي بتكيِيفها مع الظروف والتّحسين منها ابتغاء تحقيق الغايات، أي الوصول إلى كلِّ ما أراده الله تعالى لنا كأهداف في هذا الوجود، وأَشْمَلُ وأسمى هذه الغايات هي حصول عبادة الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

    وفي القرآن الكريم -في مواضع عدة- يُبيِّن غاية من الغايات دون تحديد الوسائل، وإن حدد فمجرَّد مثال وليس حصرا، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقوله تعالى ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾؛ فالدعوة إلى الإصلاح والخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غايات أمّا وسائِلُها فتتعدَّد.

    الخلاصة… الإنسان لابدَّ له، وقبلَ أن يُقدمَ إلى أي عمل أن يصنِّفه في خانة “الوسائل” أو ”الغايات”، فإذا كان (وسيلة) فكَّر في (الغاية) التي توصله إليها، وإذا كان (غاية) فكّر في الوسائل المناسبة (المشروعة) التي توصله إليها، وبعد ذلك يُباشِر عمله وفق هذين المنظورين، وأيضاً يمكن تَنشِئَة جيلٍ يفرق بين المفهومين منذ الصِّغر، باتِّباع منهج تربوي رضين. 

    والله الموفق والهادي إلى الصراط المستقيم.