«حب الصحابة -رضوان الله عليهم- واجب!»

  • — الثلاثاء أغسطس 19, 2025

قال الله ﷻ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسولُ اللَّهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَماءُ بَينَهُم تَراهُم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبتَغونَ فَضلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضوانًا سيماهُم في وُجوهِهِم مِن أَثَرِ السُّجودِ ذلِكَ مَثَلُهُم فِي التَّوراةِ وَمَثَلُهُم فِي الإِنجيلِ كَزَرعٍ أَخرَجَ شَطأَهُ فَآزَرَهُ فَاستَغلَظَ فَاستَوى عَلى سوقِهِ يُعجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهُم مَغفِرَةً وَأَجرًا عَظيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]
  

قال-ﷺ-:«أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ…»، في الحديث ضرورة توقير الصحابة ومَن بعدهم من التابعين وتابعيهم واحترامِهم، والاعتناءُ بإجلالهم وإعظامهم؛
إذ محبتهم واجبة، بل هي من صميم عقيدة المسلم، وسلامة دينه.

قال ابن القيم – رحمه الله -: “وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا من له حس به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشد، كان الصدر أفسح وأشرح، ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن”.

ولا شك أن أعظم محبوب، ما أمر الشرع بمحبته، وحث مبلغ الرسالة -ﷺ- على توقيره وتعظيمه.

فأبو بكرٍ – رضي الله عنه – يتخذه النبي – ﷺ – أخا في الإسلام، ويجعله خليلا للرحمن، وينزل فيه قول الله تعالى: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل].

ويقول النبي -ﷺ- عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -:«دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا أَوْ قَصْرًا، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» متفق عليه.

ويبلغ إعجابُه – ﷺ – بعثمان بن عفان أن يقول له – بعد أن جهّز جيش العسرة -:«مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ – مَرَّتَيْنِ -» صحيح سنن الترمذي.

ويقول -ﷺ- في علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – يوم خيبر:«لأَدْفَعَنَّ الرَّايَةَ إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ» أحمد.

ويقول -ﷺ- في سعد بن معاذ – رضي الله عنه – يوم موته:«اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» متفق عليه.

ويخبر-ﷺ- جابر بن عبد الله عن أبيه عبد اللهِ بن عمْرٍو الأنصاريّ – رضي الله عنهما – فيقول له:«مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا [أي: مواجهة من غير واسطة]» صحيح سنن ابن ماجة. وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169].

وقال -ﷺ- في حنظلة بن أبي عامر -رضي الله عنه- لما استشهد يوم أحد:«إن صاحبكم تغسله الملائكة» الصحيحة.

ويجمع النبي -ﷺ- بين بعضهم في المدح ووجوب المحبة فيقول:«أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَليُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» صحيح سنن ابن ماجة.

هؤلاء الشوامخ الشم، الذين ناصروا هذا الدين حتى بلغنا، ونافحوا من أجله، وبذلوا في ذلك مهجهم، وأموالهم، وأوقاتهم، هم أحق بالمحبة بعد رسول الله -ﷺ- من غيرهم، وأعظم من يفتخر بالانتماء إليهم، والاقتداء بهم.

إن القلب السليم لا يمكنه إلا أن يحب هؤلاء العظماء، ويذكرهم بما يستحقون من الإكبار والإعظام، وأن يعادي في الله من يزدريهم، ويتنقصهم، ولا يعترف بفضلهم.

يقول النبي -ﷺ-:«احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ…» صحيح سنن ابن ماجة.

وقال -ﷺ-: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ» صحيح البخاري. وقال -ﷺ-:«من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» صحيح الجامع.

وكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- يَقُولُ: “لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ” صحيح سنن ابن ماجة.

وقيل لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها -: “إن أناساً يتناولون أصحاب رسول الله حتى أبا بكر وعمر. فقالت: وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل (أي: الصحابة)، فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر”.

وثبت عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال: “إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ. ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ”.

ولقد أجمع علماء المسلمين على وجوب محبة الصحابة الكرام.

قال الإمام مالك -رحمه الله-: “الذي يشتم أصحاب النبي -ﷺ- ليس له نصيب في الإسلام”.

وقال الإمام أحمد -رحمه الله-:” إذا رأيت الرجل يذكر أحداً من أصحاب رسول الله -ﷺ- بسوء، فاتهمه على الإسلام”.

وقال الإمام أبو زرعة الرازي -رحمه الله-: “إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله -ﷺ- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله -ﷺ- عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول -ﷺ-، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة”.

ويقول الإمام الطحاوي-رحمه الله-: “ونحب أصحاب رسول الله -ﷺ-، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان”.

يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-:

يــا باغى الإحسان يطلب ربـه ¸.• •• •.¸ ليفــوز منــه بغــايــة الآمــال
انظر إلى هدي الصحابة والذي¸.• •• •.¸ كانوا عليه في الزمان الخالى
واسلك طريق القوم أين تيمموا¸.• •• •.¸ خذ يمنة ما الدرب ذات شمال
تالله ما اختاروا لأنفسهم سـوى .• •• •.¸ سبل الهدى في القول والأفعال
درجوا على نهج الرسول وهديه.• •• •.¸ وبه اقتدوا في سائر الأحــوال
نعم الرفيق لطالب يبغى الهـدى¸.• •• •.¸ فمــآلـه في الحشــر خير مــآل
القــانتـيـن المـخبــتيــن لربــهم ¸.• •• •.¸ النــاطقيـن بــأصــدق الأقــوال
التاركــين لكــل فعــــل سـيء ¸.• •• •.¸ والعاملــيــن بــأحسن الأعمــال
أهــواؤهــم تبــع لديــن نبيــهم ¸.• •• •.¸ وسواهم بـالضد في ذي الحــال
ما شــابــهم في دينــهم نقص ¸.• •• •.ولا في قولهم شطح الجهول الغالي
عملوا بمــا علموا ولم يتكلفوا ¸.• •• •.¸ فلذاك ما شابـوا الهدى بضــلال
وسواهم بالضد في الأمرين قد.• •• •.تركوا الهدى ودعوا إلى الإضلال
فهم الأدلة للحيارى من يسـر ¸.• •• •.¸ بـهداهــم لم يخــش مــن إضـلال
وهم النــجوم هداية وإضـاءة ¸.• •• •.¸ وعــلـو مــنــزلــة وبــــعد منــال
يمشــون بيــن النــاس هونــا ¸.• •• •.¸ نطقهم بالحق لا بجهــالة الجهـال
حلما وعلما مع تقى وتواضـع¸.• •• •.¸ ونـصيـحة مـع رتبـــة الإفضـال
يحيـون ليلـهم بطاعـــة ربــهم ¸.• •• •.¸ بــتـلاوة وتــضـــرع وســــؤال
وعيونهم تجرى بفيض دموعهم.• •• •.¸ مـثـل انـهمال الـوابــل الهـطــال
في الليل رهبان وعند جهادهم ¸.• •• •.¸ لـعـدوهم مـن أشـجـع الأبــطــال
وإذا بـدا علم الرهـان رأيـتــهم ¸.• •• •.¸ يـتـســابقون بصــالح الأعمـــال
بوجــوههم أثر السجـود لربهم ¸.• •• •.¸ وبهــا أشعــة نــوره المتــلالــي
ولقد أبان لك الكتــاب صفاتهم ¸.• •• •.¸ في سورة الفتح المبين العـالـــي
وبرابع السبع الطوال صفاتهم ¸.• •• •.¸ قـــــــوم يــحبــــــهـم ذوو إدلال
وبراءة والحشر فيها وصفهم ¸.• •• •.¸ وبهــل أتى وبســـورة الأنـفــال

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.