[زيارة أبي بكر وعمر لأم أيمن]

  • — الأحد أغسطس 31, 2025

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال أبو بكر لـ عمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله ﷺ: انطلق بنا إلى أم أيمن.

أم أيمن -رضي الله تعالى عنها- اسمها: بركة، وهي مولاة النبي ﷺ وحاضنته، قيل: كانت مملوكة لجده عبد المطلب، ثم وهبها جده لابنه عبد الله والد النبي ﷺ؛ صارت إلى النبي ﷺ بالإرث، فأعتقها النبي ﷺ، وأصلها من الحبشة، وزوجها من حبه، زيد بن حارثه، فأنجبت له أسامة بن زيد رضي الله عنهم جميعاً.
وقد توفيت بعد النبي ﷺ بخمسة أشهر.

وكان النبي ﷺ يبرها ويقول: أم أيمن أمي، فقد ربت النبي ﷺ، وبعد أن مات النبي ﷺ قال أبو بكر لـ عمر رضي الله عنهما: انطلق بنا نزورها، يعني نبرها، فإنها كانت للنبي ﷺ بمنزلة أمه، فقد كانت حاضنته، وكان ﷺ يقول عنها أمي.

فذهبا إليها، فلما انتهيا إليها بكت رضي الله عنها، وتذكرت أيام النبي ﷺ وزيارة النبي ﷺ لها، وكيف كان يفضلها ويعطيها، وأحياناً كانت تتعنت في أشياء فيعطيها النبي ﷺ إلى أن يرضيها صلوات الله وسلامه عليه.

فلما سألاها: ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ؟ وهذا حق، فما عند الله خير للمؤمنين، فكيف بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، لا شك أنه خلص من هذه الدنيا ومن بلائها ومن مصائبها ومما فيها من شرور، ونجا صلوات الله وسلامه عليه، وذهب للقاء ربه عز وجل، فيصبرنها بأن ما عند الله خير من هذه الدنيا.

فقالت: أنا لا أشك في هذا، أنا أعرف أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، ولكن أبكي على شيء آخر، أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، يعني كان ينزل الوحي بالحق عند رب العالمين.

وطالما أن الوحي ينزل ففيه رحمة تنزل من السماء، ولما مات النبي ﷺ انقطع هذا الوحي والرحمة التي كانت تنزل من السماء، فأبكي على ذلك، فهيجتهما على البكاء، فبكيا رضي الله عنهم جميعاً.

أبو بكر رضي الله عنه هو الخليفة، وعمر هو وزيره، وهؤلاء بإجماع أهل السنة أفضل الأمة بعد النبي ﷺ، يزورون امرأة كانت أمة وأعتقت، يعني: هي من الموالي، وامرأة كبيرة في السن، فيترك أعباء الخلافة، ويأتي إليها مع وزيره.

فهذا يدل على غاية التواضع والخلق الرفيع، وهو أيضاً من حسن العهد، فإن حسن العهد من الإيمان، فهذه امرأة قد حضنت النبي ﷺ، فحقها الإكرام، وقد كان النبي ﷺ يكرمها ويزورها، وهو أجلُّ من أبي بكر وعمر، فمعرفة الفضل لأهل الفضل مطلوبة وإن لم تكن لهم أنساب، وإن لم تكن لهم منزلة اجتماعية ورتبة، هي امرأة من الموالي.

المقصود من هذا الحديث أن الإنسان يحرص على زيارة الصالحين وأهل الفضل، الذين إذا رآهم ذكر الله -تبارك وتعالى، وتحركت في نفسه بواعث الخير، ورجع بقلب صحيح قوي ثابت على طاعة الله عزوحل، أما أن يزور الإنسان من يقسي قلبه بالغيبة، أو من يتحدث معه بحديث يحرك نوازع الشهوات في نفسه، أو يقسي قلبه بذكر الدنيا وما فيها، وما يتبعه الناس من ألوان الطمع في هذه الحياة، وأعراضها الزائلة.

فأسأل الله ﷻ أن يجعلنا وإياكم من أوليائه وأهل طاعته، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.