«مشكلات حقيقية تواجه المدن الذكية»

  • — الإثنين أكتوبر 06, 2025

مصطلح “المدينة الذكية” أشبه بعالم رقمي مثالي “يوتوبيا”؛ وعود بأن تُزيل البيانات متاعب العالم ومخاطره و مظالم الحياة … وتُظهر التغطيات الإعلامية -الممولة وغير الممولة-تفاؤلاً مُبتهجاً بشأن المدن الذكية:

  • لا مزيد من الازدحام المروري!
  • طاقة متجددة للجميع!
  • حرائق أقل وتفشي أمراض أقل!
  • مليارات في الوفورات!
  • حدائق خضراوات آلية على الأسطح!

قد يكون هذا كله ممكنة، ولكن قبل أن نُفرط في الحماس، فعلى أرض الواقع هناك مشكلات تُعاني منها “المدن الذكية”، لم يُشار إليها -على حد علمي-  في الحملات الترويجية التي انطلقت من” فوربس”، “وول ستريت جورنال”، و”الغارديان”، وعشرات الوسائل الأخرى، ولمعرفة المشكلات الحقيقة التي تواجهها المدن الذكية دعونا أولاً نفهم مكونات “المدينة الذكية”.

أجهزة استشعار لجمع البيانات

تعتمد المدن الذكية على البيانات، وبالتالي بحاجة إلى أجهزة استشعار لجمع البيانات؛ التحميل الحسي الزائد عن الحد ليس كما لو أن الطرق والمباني وأضواء الشوارع ستستيقظ فجأةً وتبدأ بالحديث عن الطقس… انما أجهزة استشعار للرؤية والسمع والشم والتذوق والشعور نيابةً عن السكان، ومن ثم، يمكن لمنصة تجميع جميع بياناتهم واستخدامها لاتخاذ (أو اقتراح) قرارات بسرعات تفوق القدرة البشرية.

لقد سبق أن أصدرت شركة “لوكس” للأبحاث، وهي شركة أبحاث واستشارات مبتكرة، تقريرًا يشير إلى أن العالم سينشر تريليون جهاز استشعار؛ ستقيس أجهزة الاستشعار درجة الحرارة، وأنماط حركة المرور، وحركة المشاة، وجودة الهواء، وسلامة البنية التحتية (على سبيل المثال، هل الجسر آمن؟)، من بين أمور أخرى كثيرة.

لكن دعونا نضع هذا الأمر في سياقه…

إذا كان لديك مليون شخص ينشرون أجهزة استشعار، فسيحتاج كل شخص إلى نشر مليون منها خلال ثلاث سنوات، تشتري الولايات المتحدة وحدها أكثر من 3 مليارات بطارية سنويًا، والواقع أنه لم نصنع تريليون بطارية في تاريخ البشرية، ومع ذلك يُفترض بنا أن نصنع بطاريات كافية لتشغيل تريليون جهاز استشعار خلال ثلاث سنوات؟!!

حتى لو تمكنا -كما يزعم- من تصنيع بطاريات بهذا الحجم، فإن التلوث الناتج واستهلاك الطاقة سيُعوّضان عن العديد من الفوائد؛ من سيراقب ويستبدل بطاريات مليون جهاز استشعار عام، مثلاً، منتشرة في أنحاء مدينة نيويورك مثلاً؟!

لنفترض أننا تخلينا عن البطاريات، وربطنا أجهزة الاستشعار بالأسلاك، فإن عملية تركيب تريليون سلك مكلف للغاية، وسواءً كنت تشغّل هذه الأجهزة بالطاقة الشمسية أو النووية أو الوقود الأحفوري، فإن نقل الطاقة من مصدرها إلى الجهاز أمر غير عملي بكل المقاييس!!!

ذكر مجلس فوربس للتكنولوجيا؛ هو مجتمع مخصص لمديري تقنية المعلومات والمديرين التنفيذيين للتكنولوجيا العالمية، عدة مشكلات تواجه المدن الذكية:

مشكلة الطاقة

تركيب أجهزة استشعار يمكنها جمع البيانات مفيدة، ظل نماذج الطاقة الحالية، غير ممكن تشغيل تريليون جهاز، ناهيك عن مليون جهاز في مدينة واحدة.

وهكذا، تُصبح المدينة الذكية ضربًا من الخيال العلمي دون طاقة لاسلكية (طاقة عن بُعد)؛ صحيح هناك شركات تُطور طاقة لاسلكية تُشبه وظيفة “الواي فاي”، ولكن من أجل الطاقة فقط.

سيقال إن حل المشكلة هو بسرعة تفكيك المجتمعات لشبكات توزيع الطاقة السلكية، فمجرد أن تستقبل أجهزة الاستشعار الطاقة لاسلكيًا، نكون قد أزلنا العقبة الرئيسية أمام المدينة الذكية، لكن دعونا هنا نطرح أسئلة عملية، لنرى مدى صحة ذلك:

  • كيف نُخفف من ازدحام المرور في ساعات الذروة بناءً على البيانات؟
  • كيف نُقلل من الجسيمات في هواءنا الداخلي والخارجي؟
  • من أين تأتي الملوثات وكيف يُمكننا إيقافها؟
  • كيف نمنع تلوث اللحوم في مصنع قريب لتجهيز الأغذية من أن يصبح أزمة صحية على مستوى المدينة؟

في البداية، سنُجهّز المدن بأجهزة استشعار. وفي النهاية، سنبني مدنًا ذكية من الصفر، لأن أنظمة الطرق وأنماط تقسيم المناطق وشبكات الكهرباء الحالية لدينا ليست مصممة لأنماط حياة آلية تعتمد على البيانات.

السيارات ذاتية القيادة، على سبيل المثال، لها احتياجات مختلفة عن السيارات اليدوية المستهلكة للوقود التي صممنا بنيتنا التحتية حولها.

مشكلة التصميم

تصميمنا للمدن الذكية بناءً على البيانات التي نريدها بدلًا من وضع الأسلاك التي لدينا، يزداد الأمر تعقيدًا، حيث سيُرسي تجميع البيانات الشامل بعض الحقائق (مصدر بعض المشكلات) حول كيفية إدارة مدننا، وسيقودنا ذلك إلى تقييم المدن بناءً على مقاييس مختلفة لجودة الحياة.

وهذا الأمر يقودنا إلى السؤال الأصعب: ما هي قيمتنا في البيئة البشرية؟

وهو ما يُثير المشكلة الثانية المتعلقة بالمدينة الذكية؛ يمكننا خلق عالم بائس بنفس السهولة التي يمكننا بها خلق مجتمع “يوتوبيا”؛ الخط الفاصل دقيقٌ وخادع؛ نحن نفترض أنه من خلال الاستفادة من الذكاء الجماعي للأجهزة والبشر، يُمكننا خلق بيئات معيشية أفضل، لكن البيانات ليست حلاً سحريًا لجميع مشاكلنا.

فعلى حد تعبير الكاتب ورائد الأعمال “ديريك سيفرز”: “لو كانت المعلومات [المُحسّنة] هي الحل، لكنا جميعًا مليارديرات ببطنٍ مثالي”.

وبالمثل، لو كانت بيانات المدن هي الحل، لكان جمعها سيقضي على الازدحام المروري والفقر والجريمة، وما إلى ذلك.

وبعيداً عن المبالغات فنحن نحتاج إلى قادةٍ يُفسرون البيانات ويستخدمونها بحكمة؛ في كثيرٍ من الأحيان، يُمرّر مسؤولونا البيانات كما لو كانت مُقبّلات، مُتوقعين من الناس أن يأخذوا فقط ما يُغذّي نظرتهم للعالم.

المدن الذكية تحتاج إلى قادةٍ يتحلّون بالشجاعة للدفاع عن بياناتهم، وتوضيح معناها، وترسيخها كحقيقةٍ تُبنى عليها قرارات المدن، إذا لم يُؤيّد المسؤولون بياناتهم، فلن يُؤيّدها جمهور السكان أيضًا.

الحل في إعادة تصميم بيئتنا الطبيعية

نحن على طريق التعامل مع المدن ككائنات حية تحمل بصمات حيوية تنتظر فك شفرتها والاستفادة منها.

المدينة عضوية بالفعل، بمعنى أننا ابتكرناها نحن،  ذكية بشكل غير عادي، تعيش على قطعة صخرية تدور حول فرن نووي.

إذا كانت المدينة طبيعية، فستبدو المدينة الذكية خارقة للطبيعة.

يُمثل صعود المدن الذكية فرصةً للتساؤل: “ماذا يعني أن تكون إنسانًا في مدينة حديثة؟”، ومن ثم تصميم إجابة في بيئتنا المادية.

وبفضل البيانات القوية، يمكن أن نتوصل إلى بعض الإجابات المفيدة، ولن تمنعنا مشكلتان من بناء مدن ذكية حقيقة… أليس كذلك؟


Futurism | Science and Technology News