«ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة استه بقدر غدرته»

  • — الإثنين يناير 27, 2025
قال الله ﷻ في كتابه العظيم: {قَدْ مَكَرَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُمْ مّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرّ عَلَيْهِمُ السّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ۝ ثُمّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقّونَ فِيهِمْ قَالَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسّوَءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ۝ الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السّلَمَ مَا كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوَءٍ بَلَىَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ۝ فَادْخُلُوَاْ أَبْوَابَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ} [سورة النحل:26-29].
قال العوفي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله: {قَدْ مَكَرَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} قال: هو النمرود الذي بنى الصرح، وقال آخرون: بل هو بُخْتُنَصَّر، والصحيح: أن هذا من باب المثل لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح -عليه السلام-: {وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً}: أي احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا} [سورة سبأ:33].
وقوله: {فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُمْ مّنَ الْقَوَاعِدِ} أي: اجتثه من أصله وأبطل عملهم، كقوله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [سورة المائدة:64]، وقوله: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [سورة الحشر:2]، وقال الله ههنا: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ۝ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} أي: يظهر فضائحهم، وما كانت تكنّه ضمائرهم فيجعله علانية، كقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [سورة الطارق:9]
أي: تظهر وتشتهر كما في الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال هذه غدرة فلان بن فلان» [رواه البخاري]، وهكذا هؤلاء، يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ويخزيهم الله على رءوس الخلائق ويقول لهم الرب -تبارك وتعالى- مقرعاً لهم وموبخاً: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} تحاربون وتعادون في سبيلهم أين هم عن نصركم وخلاصكم ههنا؟ {هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ} [سورة الشعراء:93]، {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ} [سورة الطارق:10] فإذا توجهت عليهم الحجة وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة وسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار {قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي: الفضيحة والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله وأشرك به ما لا يضره وما لا ينفعه.
ويخبر تعالى عن حال المشركين الظالمين أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة {الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السّلَمَ مَا كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوَءٍ بَلَىَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ۝ فَادْخُلُوَاْ أَبْوَابَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ} ، {فَأَلْقَوُاْ السّلَمَ} أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: {مَا كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوَءٍ} كما يقولون يوم المعاد: {..وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ}، قال الله مكذباً لهم في قيلهم ذلك: {بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ۝ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان لمن كان متكبراً عن آيات الله واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم وخلدت في نار جهنم {لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} [سورة فاطر:36]، كما قال الله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [سورة غافر:46].

[شرح كتاب المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير]