قد زاد البلاء وطاولت الأرضُ السماءَ سفاهةً بكثرة المنافقين هذه الأيام حيث انزوى الحياء ولفحت الألسنةُ الجامحةُ أسماعَ أهل التقوى والأدب فما بقي من المعروف إلا النذر اليسير، يقول حُذَيفَةَ بنِ اليَمانِ رضي الله عنه: (إنَّ المنافقينَ اليومَ شرٌّ منهم على عهدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كانوا يومَئذٍ يُسِرُّونَ واليومَ يَجهَرونَ)
هذا من زمان حذيفة رضي الله عنه، فما بالنا بزماننا، وخاصة بعدما صار اليوم لهم طوابيرُ طوَّافةً، قد أُتْخِمُوا من المال والوجاهة والظهور والإكرام المتبادل بين أهل المصالح على طريقة النفاق التي لا يخطؤها من باع دينه أو وطنيته في ربوع أوطان الأمة.
ألا وإن للنفاق رائحةٌ تَزْكمُ الأنوفَ كما أن للإخلاص رائحةٌ تُسْعِد الوجدان وتزيد الإيمان وتلمح فيها عطر المعاني الحسان، وكلمات المنافقين كالماءِ الحارِّ في اليوم الصائف لا تروي ولا تشفي الغُلة، وفي جملة منطقهم سرابٌ خداعٌ يزيد الطين بِلَّةً والمريضَ عِلَّةً.
إننا نعيش زماناً انقلبت فيه الموازين، وانعكست فيه المعاييرُ، زمن يسمى فيه العالم جاهلاً، والجاهل عالماً، والبليد الغشاش المزور شاطراً ذكياً، والمخلص المجدّ بليداً، والشريف وضيعاً، والوضيعُ شريفاً، والخائنُ أميناً، والأمينُ خائناً، والفاسد المفسد صالحاً مصلحاً، والصالح المصلح فاسداً مفسداً، والفاسق الفاجر الإباحي متحرراً، والمتحرر المتعفف الحيي مكبوتاً… واللئيم كريماً، والكريمُ لئيماً، والجبان الراضي بالذِّلَّةِ والمَهانةِ، الساكت عن الجهر بكلمة الحق، المهادنُ للباطل رجلاً رصيناً متعقلاً، والناطق بكلمة الحق، الصامد في وجه الطغيان والاستبدادِ والفسادِ مُتسيِّباً متهوراً متسلِّطاً، والمثقف المبدع شيطاناً، والشيطان المضلل مثقفاً.
والعاريةُ العارضةُ لعرضها وشرفها، المتبرجة بزينتها، المتمردة على دينها تقدمية، والمتحجبة الساترة لجسمها، المحافظة على عرضها، الملتزمة أوامر ربِّها رجعية متخلفة.
والمتمسِّكُ بآداب الإسلام والسنة في كل أحواله متشدد متعصباً، والمتفلِّتُ المتحللُ من قيود الدين، المبتدع، المعرض عن القرآن والسنةِ، المفسِّر لهما بأهوائه مسلماً معتدلاً.
مصطلحات كثيرة دخلها تشويشٌ وتشويهٌ، والتشويشُ أصبح له (رجالٌ)، وللتشويه وسائلُ كثيرةٌ ومتعددةٌ، مقروءةٌ ومسموعةٌ ومرئيةٌ، ووراءَ كل ذلك كتائبُ وعقولٌ وطاقاتٌ مدرَّبةٌ ومبرمجةٌ وموجَّهةٌ ومزودةٌ بإمكاناتٍ رهيبةٍ تطلق القذائفَ ليلاً ونهاراً، صباحاً ومساءً.
إننا نعيش زمنَ النفاق، وهذا من ابتلاء الله تعالى لعباده، فقد ابتلانا الله بأعداء، في كل زمان ومكان، يحاربون الدين والمصلحين، لإضعاف شوكة المسلمين.
فالنفاق داءٌ مهلك، ما فشا في أمة من الأمم إلا كان نذير دمارها وخرابها وسبيل شقائها وعذابها، وما حل في نفس إلا كان دليلاً على مهانتها وضياع مكانتها وعزتها وفقدان شرفها وشهامتها، والنفاق عارٌ في الدنيا، وخزي ونار في الآخرة.
فلنعرفهم كما وصفهم القرآن، ولنخالفهم ولا نصدقهم، ولا نمنحهم أكثر مما يستحقون فهم سوس المجتمع وقوارض المحبة والاحترام بين الناس، وكلما زادوا وتوغلوا آذنت الدنيا بضيق الأنفاس ومفارقة القيم والمعاني الرائعة التي تحفظ ما تبقى فينا من النضارة والوقار.
نسأل الله العزيز الحكيم أن يقينا من شر النفاق وأهله وأن يحفظ بلادنا من كيدهم ومكرهم بما شاء. آمين
