ذكر الإمام ابن القيم عن شيخه ابن تيميه-رحمها الله-: “ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرا: “ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء”، وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المُكَدِّي وابنُ المُكَدِّي… وهكذا كان أبي وجَدِّي
وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاما جيدا” .
وقال ابن القيم -رحمه الله-: “لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص”.
وإنما كرهوا المدح خيفة أن يفرحوا بمدح الخلق وهم ممقوتون عند الخالق، فكان اشتغال قلوبهم بحالهم عند الله تعالى يبغض إليهم مدح الخلق؛ لأن الممدوح هو المقرب عند الله، والمذموم بالحقيقة هو المبعد من الله، الملقى في النار مع الأشرار، فهذا الممدوح إن كان عند الله من أهل النار فما أعظم جهله إذا فرح بمدح غيره، وإن كان من أهل الجنة فلا ينبغي أن يفرح إلا بفضل الله تعالى وثنائه عليه؛ إذ ليس أمره بيد الخلق، ومهما علم أن الأرزاق والآجال بيد الله تعالى، قل التفاته إلى مدح الخلق وذمهم، وسقط من قلبه حب المدح، واشتغل بما يهمه من أمر دينه.
وقال الإمام ابن رجب -رحمه الله-: “إذا عمل العمل لله خالصا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك”.
وأما المدح في وجه الممدوح فتحرم المبالغة فيه والغلو في إطرائه ووصفه بما لا يستحق، فهذا من الكذب، وفيه ضرر على الممدوح، وكذلك يحرم مدحه بما هو فيه إذا خشي أن يغتر الممدوح بنفسه ويزهو ويترفع على غيره ويفتتن ويغتر، وقيل: يكره كراهة شديدة [(الأذكار ص276)، (رياض الصالحين 6/ 564)].
قال الإمام البغوي-رحمه الله-: “المدح والثناء على الرجل مكروه؛ لأنه قلما يسلم المادح من كذب يقوله في مدحه، وقلما يسلم الممدوح من عجب يدخله”.[ شرح السنة (13/ 151)].
اللَّهُمُّ اجعلنا ممن تواضع لك فرفعته، واستكان لهيبتك فأحببته، وتقرب إليك فقربته وسألك فأجبته.
اللَّهُمُّ اُسْتُرْنَا فَوْقَ الأرض وَتَحْتَ الأرض، وَيَوْمَ الْعَرْضِ عَلَيْكَ، يا حنان، يا منان، يا ذا الجلال والإكرام.
وصل اللهم وسلم على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد، وعلى آله وصحبة.
