قال ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» [أخرحه البخاري].
هذه هي الأخوّة والرابطة الإيمانية التي أقرها الله -تبارك وتعالى، وأثبتها، فقال سبحانه: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:9-10]، وقال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»[أخرحه البخاري]، فرابطة الإيمان والأخوة الإيمانية هي أوثق رابطة يمكن أن يجتمع عليها الناس، لأن الناس لا يمكن أن نجمعهم على شعار من الشعارات الجاهلية، أو أن نجمعهم على أمر من أمور الدنيا، لا المال ولا غير المال، ولهذا قال الله ﷻ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:63]، فيُجمَعون على الحق، على الدين الصحيح، لا يمكن أن يجتمع الناس على غير هذا، ولو أنفقت أموال الدنيا، لأن القاعدة أن “من خالف عقدُه عقدَك خالف قلبُه قلبَك”، الذي يحمل اعتقاداً آخر يخالف العقيدة التي تحملها لو أغرقته بالأموال لتكسبه يمكن أن يكف شره مؤقتاً، ويسكت، ولكنه إن تمكن فسترى ما يصنع، والعالم من حولنا شاهد كبير يدل على هذا المعنى:” من خالف عقدُه عقدَك خالف قلبُه قلبَك”.
«المسلم أخو المسلم، لا يظلمه» فالظلم حرام مطلقاً، والله حرم علينا ظلم الكافر (غير المسلم) حتى ولو كان حربياً، فما بالك بغيره المسلم؟!، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:8]، لا يجوز العدوان، ولا الظلم لا للقريب، ولا للبعيد، الله تعالى يقول في الحديث القدسي:«إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا»[أخرجه مسلم] ، فالظلم لا يجوز بحال من الأحوال، وإذا كان الظلم واقعاً على أحد من المسلمين فلا شك أن هذا أشد،
«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» إن هذه الصفة التي يجب أن يتحقق المسلمون بها وأن يراجعوا أنفسهم على كثير مما وقع من التفريط في هذا الجانب؛ مع ذلك نجد أن جل الكفار (غير المسلمين) يحققون فيما بينهم هذا المعنى غاية التحقيق، وهذه الأيام شاهدة بذلك!!!
«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» وأشنع من ذلك وأعظم إذا أعان على أخيه، أو كان هو الذي يتسبب بأي طريقة من الطرق في أذيته وإسلامه إلى عدوه.
ثم قال ﷺ:«ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»، هذا أصل كبير، وقاعدة من قواعد تحصيل وتحقيق المطالب، من أراد أن يحقق مطلوبه فعليه أن يلتفت إلى ذوي الحاجات، ينظر في حال العاجز والفقير والمريض وغير ذلك ممن يحتاج منه إلى إعانة فيعان، فيكون الله في حاجته، فإذا طلب أو سأل ورفع يديه إلى الله أجاب الله ﷻ دعاءه، أما الذي يعيش لنفسه ولا يكترث بالآخرين، ولا يلتفت إلى حاجاتهم، بل يعيش بنفس مِلؤُها الأنانية، فمثل هذا ماذا يرجو؟ وماذا عسى أن يحقق؟؛ فالله خلق الناس، وجعل في فطرتهم الاجتماع، وجعلهم في غاية التفاوت في الصور والأشكال، وفي الذكاء والقُدر والإمكانات، وفي الصحة والعافية والمرض، وما إلى ذلك، ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخر:32]، فمن أجل أن يسخر بعضهم لبعض، وينتفع بعضهم من بعض والله ناظر إليهم.
«من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة»، الأول عام: من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، التمسْ حاجات الناس وساعدهم لوجه الله ﷻ فالله يعينك، وفرج عن مسلم كربة يفرج عنك كربة من كرب يوم القيامة، فإذا فرج الإنسان عشر كرب فرج عنه عشر كرب، وهذا وعد لا يخلف، والله أكرم الأكرمين، فطريق تحصيل المطالب في الدنيا الالتفات إلى الآخرين، لا يعيش الإنسان أنانيًّا، وطريق تفريج الكرب يوم القيامة هو تفريج كرب المكروبين في الدنيا.
وقوله:«ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» الناس يعيشون في كنف ستر الله ولو رفع ذلك عنهم افتضحوا، كل إنسان عنده تقصير وذنوب وأخطاء، وقد جاء رجل للإمام أحمد -رحمه الله- وسأله عن نسبه وقال: “نسمع أنكم من ذوي النسب؟”، فقال له الإمام أحمد:” إنما نعيش في ستر الله ولو كشفه عنا لافتضحنا”، كل إنسان يعيش في ستر الله ولو كشفه عنه لافتضح.
وهناك من الناس من يفرح بالزلة والخطأ، ويرى أن هذا من المكاسب التي حصلها، وأنه قد عثر على شيء ينبغي أن يُنتهز، ولربما يبتزه بهذا ويهدده أن يفضحه.
انظروا إلى الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، يأتي من يخترق ويخرج أشياء خاصة للناس، ثم يهددهم بها، ويأتي ويقول: سننشر صوركم، وسنفضحكم بكذا، وربما يطلب منهم أشياء سترهم الله بها.
فالمقصود أن طريق ستر العورات يوم القيامة والفضائح هو بالستر على المسلمين، ولذلك النبي ﷺ أخبر فقال:«إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان»[أخرجه البخاري] يفتضح بغدره، فمن أراد ألا يفتضح يوم القيامة أمام الخلائق فعليه أن ينظر إلى هذا المعنى وليستر المسلمين، وإذا اطلع على عورة من عورات أخيه فعليه أن يستره وألا ينشر خطأه.
المسلم لا يفرح بزلة أخيه ولا بخطئه، ولا بوقوعه بشيء من الخلل أو الخطأ أو الانحراف، فإذا رأى شيئًا من ذلك آلمه وستره ونصحه وسدده.
أما أن يذهب ويتكلم قائلا: فلان ما تدرون عنه، أنا الذي أعرفه رأيته يفعل كذا، هذا إذا كان تبدت له هذه الأمور، فكيف إذا كان هو الذي يتطلبها ويتتبع عورات الناس، والنبي ﷺ يقول:«من يتَّبِع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته»[أخرجه الطبراني] والجزاء من جنس العمل، فهذا سعي وعمل قبيح، تعجل عقوبته في الدنيا قبل الآخرة، والمؤمن الذي يريد النفع للناس وهو صادق في ذلك هو الذي يرفع مَن وقع لا يزيده وقوعًا، رأى إنسانًا سيقع يدفعه أكثر؟، لا، يرفعه، يحمله، ينتشله، يسدده، يقوِّمه، هذا هو الناصح، أما الذي يذهب ويتكلم ويتحدث ويفشي عيوب الناس فمثل هذا غاش وليس بناصح ولا يحب لهم سدادًا ولا رشدًا، فهذه معانٍ نحتاج أن نبثها في المجتمع، أن تراعى دائمًا في تعاملنا وأخلاقنا وسلوكنا مع الآخرين.
نسأل الله ﷻ أن يتولانا برحمته، ويجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
[شرح كتاب رياض الصالحين
– باب تعظيم حُرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم]
