«أول مفتش عام في الإسلام»

  • — السبت يونيو 28, 2025

“عرفت الدولة الإسلامية منذ نشأتها الأولى في المدينة الرقابة على أجهزة الدولة، وتفقد حكام الأمصار والولايات وكبار موظفي الدولة (الرعاة)، ومتابعة تصرفاتهم، ومدى كفاءتهم، ونزاهتهم في الإدارة، وحرصهم على الأموال العامة، ثم عدلهم وإنصافهم في الرعية”

محمد بن مسلمة - ويكيبيديا

الصحابي الجليل محمد بن مسلمة الأنصاري -رضي الله عنه-؛  صحابي من بني حارثة بن الحارث من الأوس، شهد المشاهد كلها إلا غزوة تبوك، وترك بصمة واضحة في التاريخ الإسلامي؛ فقد استخلفه النبي -ﷺ- على المدينة المنورة، وكان من الرجال الأوائل الذين عهد إليهم بذلك، وكانت حياته منذ إسلامه تؤهله للاضطلاع بهذه المهمة الجسيمة؛ المفتش العام!

وقد استعرضت ورقة نشرت في (مجلة الدارة) سيرته -رضي الله عنه- منذ إسلامه، حيث عهد إليه الرسول ﷺ الإشراف على إجلاء يهود بني قينقاع عن المدينة لما أخلوا بشروط العهد والأمان (هتك حرمة المرأة المسلمة وقتل مسلم)، كما أرسله عليه أفضل الصلاة والسلام إلى يهود بني النضير ليبلغهم أمره ﷺ لهم بالخروج من المدينة عندما هموا بالغدر به (التآمر لقتله بأن يلقي أحدهم عليه صخرة)، وعهد إليه ﷺ أن يتولى تسلّم دورهم وقبض أموالهم فخرجوا تحت إشرافه.

وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ وُلِّي على صدقات قبيلة جهينة، ثم استدعاه  ليكون بجواره، وكان المبعوث الخاص لعمر بن الخطاب إلى ولاته، وأعده لكشف الأمور المعضلة في الأمصار والولايات بعد امتداد الفتوحات الإسلامية، وزيادة مسؤولية الخليفة في الرعاية والرقابة.

وكان محمد بن مسلمة أول مفتش عام في الإسلام، وكان عمر إذا استعمل عاملاً أحصى ماله، وسجله في سجل لديه حتى إذا ما ظهر عليه الثراء حاسبه، ولما رأى عمر بيتًا يُبْنَى بحجارة وجص، وسأل عن صاحبه، وعرفه بعث إليه محمد بن مسلمة فأحصى ماله، واستدعاه لمقابلة الخليفة؛ فشاطره  ماله لبيت المال لإبعاد أي شبهة عن عماله.

كذلك بعث محمد بن مسلمة لما علم بثراء عمرو بن العاص -رضي الله عنه- في مصر، كتب إليه يسائله، وأيضاً لما بلغه أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله- عاملة في الكوفة قد اتخذ قصرًا، وجعل له بابًا يمنع الناس من الدخول إليه، بعثه إليه، وأمره أن يحرق ذلك الباب لأنه كان يشترط على عماله ألا يتخذ أحدهم بابًا يمنع الناس من الدخول عليه.

ولما استشهد عمر -رضي الله عنه-، وآل أمر المسلمين إلى الخليفة الراشد عثمان ابن عفان ــ رضي الله عنه ــ ظل ابن مسلمة بجواره يعينه بالرأي السديد والنصح في كثير من أمور الدولة، وقد أرسله إلى الكوفة لاستطلاع آراء الناس حول العامل على الكوفة فلم يجد شيئًا ينكره عليه، واعتزل محمد بن مسلمة الفتنة، وأقام في الربذة ( شرق المدينة) إلى أن توفي سنة 46هـ، وهو ابن سبعة وسبعين سنة رضي الله عنه وأرضاه.

وبهذا تبدو ملامح التنظيمات الإدارية، وظهورها في ظل الحكومة الإسلامية الأولى، ثم نموها شيئاً فشيئا ، وسيطرة السلطة العليا على الرعاة الرعية بما يحقق العدل والإنصاف؛ وهو ما يؤكد أن منشأ الإدارة الرشيدة (الحوكمة)، وأسسها هي من وحي الفكر الإسلامي.


[مجلة الدارة العدد الثالث من السنة الخامسة عشرة]