«فَأَتْبَعَ سَبَباً.. دروس في القيادة من ذي القرنين»

  • — الإثنين يونيو 30, 2025

يمكننا أن نعزو أي حالة من التمكين في الأرض – سواء ريادة علمية، أو اقتصادية، أو حتى مكانة اجتماعية – إلى بذل الجهد واتباع الأسباب.

وقصة الملك العظيم ذي القرنين في القرآن الكريم خير مثال على ذلك، فقد بلغت سطوته مشارق الأرض ومغاربها، بعد أن أتقن علوم الحرب، والإدارة البشرية، والسياسة الشرعية، والنقل والدعم اللوجستي، وغيرها من أسباب التمكين في الأرص.

هذه الشخصية العظيمة، أثارت فضول العديد من المتأملين في كتاب الله، فكتب عنها الباحثون مقالات وكتباً وألقوا العديد من المحاضرات الطويلة؛ ومع ذلك، لا تجد في أغلب هذه المحاولات قناعة مُطَمئنة لكشف هوية ذي القرنين ومن يمثل من ملوك الارض؛ فقيل إنه أخناتون، أو النبي سليمان (عليه السلام) أو الإسكندر المقدوني، أو هو لنارام سين، الملك الأكدي الذي اشتهر بلقب «ملك الجهات الأربع»، أو حتى قورش الكبير الذي يحتل مكانة مرموقة في التراث اليهودي لتحريرهم من السبي البابلي، إلا أن جميع هذه فرضيات غير كافية ولا دليل عليها.

ما يهمنا من قصة ذي القرنين هو الاهتداء والاستدلال بقصص القرآن العظيم؛ وقصة “ذو القرنين” وردت في سورة الكهف [الآيات: ٨٣-٩٨] ، حيث اشتملت على أكثر من عشرين صفة وخلقاً من صفات القائد، وقد جمعت جمعا عجيبا بين الصفات الأخلاقية والعملية والسياسة الشرعية وأساليب التعامل الواجب توافرها في من يقود.

وبدات القصة عندما سئل أهل الكتاب أو المشركون رسولَ الله ﷺ عن قصَّة ذي القرنين، قال تعالى: {وَيَسأَلونَكَ عَن ذِي القَرنَينِ قُل سَأَتلو عَلَيكُم مِنهُ ذِكرًا}، فأمره الله أن يقولﷺ: {سأتلو عليكم منه ذِكْرًا}: فيه نبأٌ مفيدٌ وخطابٌ عجيبٌ؛ سأتلو عليكم من أحواله ما يُتَذَكَّر فيه ويكون عبرةً.

وقد استنبط العلماء عدد من الصفات القيادية والأخلاقية والسياسة الشرعية الواجب توافرها في القائد، وقد جُمعت جمعاً عجيباً، فيما يلي :

1 .التمكين : أول ما يستوجب تمام القيادة أن يكون القائد ذو صلاحيات تمكنه من تحقيق الأهداف المطلوبة منه ولهذا كانت بداية القصة {إنا مكنّا له في الأرض}.

2. العلم : العلم وسيلة يصل بها الإنسان إلي ما يريد وسبب لتحقيق الأهداف وتحصيل النتائج لذا كان علي القادة بذل الجهد في تحصيل العلم الذي يحقق متطلبات عملهم. {وآتيناه من كل شئ سببا}.

3. الأخذ بأسباب العلم : لم يكتف القرآن بتحديد العلم فقط كصفة قيادة ولكنه أتبعه بضرورة العمل بهذا العلم والأخذ بأسبابه فقال{فأتبع سببا}.

4. المرجعية : القيادة وفق منهج واضح المعالم قائم علي نظرية الثواب والعقاب ولا يترك الناس لهواهم {قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا}.

5. العدل : الحكم بين الناس بالعدل مبدأ يكفل راحة وطمأنينة الرعية والمرؤسين ومن شاكلهم فالظالم يؤخذ علي يديه لتستقر الحياة ويأمن الناس {حتى إذا بلغ مغرب الشمس … أما من ظلم فسوف نعذبه….}.

6. التحفيز لإجادة العمل: شكر من أحسن عمله يكون حافزاً له على الإجادة والصلاح وقد يكون أيضا بتذكيره بمردود هذا العمل عليه في الدنيا أو الآخرة {فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا}.

7. ديناميكية الحركة : القائد الناجح هو الذي يجوب نطاق عمله من أوله إلي آخره ولا يجلس في مقر قيادته وينتظر من ينقل إليه الأخبار ولذا طاف ذو القرنين في أرجاء ملكه شرقاً وغرباً ليحقق ما أراد الله منه باستخلافه علي الأرض {حتي إذا بلغ مغرب الشمس…} {حتي إذا بلغ مطلع الشمس….} الكهف.

8. التواصل والاستماع للشكوى : القائد الناجح يفتح قنوات اتصال بينه وبين من هو مسؤول عنهم وأن يستمع إليهم علي كافة درجاتهم وطوائفهم وأن يكون الاتصال مباشراً دون عائق {قالوا يا ذا القرنين..} ، {قال ما مكني…}، ثم يأتي موقف يمر عليه الكثيرون مروراً عابراً ولكنه يرسم مجموعة من الصفات الأخلاقية في القائد عندما يعرض عليه رعيته مكسباً دنيوياً مقابل القيام بعمل لهم فيرفض رفضاً قاطعاً ويفضل ثواب الله عليه {فهل نجعل لك خرجا علي أن تجعل بيننا وبينهم سدا} ، {قال ما مكني فيه ربي خير}، ومن الصفات المستنبطة من هذا الموقف الرائع .

9. غلق باب الكسب غير المشروع : فلا يحق للقائد أخذ أجر علي عمل مكلف به إلا ممن كلفه بالعمل فلا يقبل هدية أو عطية بسبب منصبه أو ما مكنه الله له.

10.الإحساس بالمسؤولية: عندما يشعر القائد بالمسئولية تجاه من يقودهم فإن هذا يكون دافعاً لتحقيق مصالحهم دون التكسب من وراء ذلك.

11. العفة وطهارة اليد : القائد الحق هو من لا يستغل حاجات رعيته وينهب ثرواتهم بحجة أنه يقوم علي رعايتهم وتحقيق مصلحتهم .

12. نصرة المظلوم : نصر المظلوم واجب لا يحتاج إلي مقابل، وهذا ماظهر واضحاً لدى ذي القرنين.

13. العمل الجماعي : وهذا بين في قوله {فأعينوني ..}.

14. التوظيف الأمثل للطاقات البشرية : فلقد وظف ذو القرنيين طاقات القوم فيما يحسنوا وطلب منهم العون بالقوة وليس بالمال أو العلم .

15. وضوح التعليمات والأوامر الصادرة من القيادة : فلقد كان ذو القرنين محدداً فيما يطلبه وواضحاً وضوحاً شديداً كما في قوله {آتوني، انفخوا..}.

16. إستغلال الموارد المتاحة : فلقد استخدم ما لديهم من مواد مثل الحديد والنحاس وغيرها.

17. التعليم والتوجيه : فلقد علّمهم ذو القرنين كيفية بناء سد منيع.

18. التعليم بالعمل : وأشركهم في العمل ليكون التعليم واقعاً عملياً ملموسا و ليس نظرياً

19. تحقيق المطلوب بأيسر الطرق وأقل خسارة ممكنة : إستخدام القوة في التعمير والإصلاح؛ فلقد كان ممكناً لذي القرنين أن يقاتل يأجوج ومأجوج و لكنه فضل عزلهم ودفع شرهم بأبسط الطرق.

20. التواضع ورد الفضل لله : على كل قائد ناجح أن يعلم أن توفيق الله له هو أساس النجاح والفلاح؛ قال الله ﷻ : {كَذلِكَ وَقَد أَحَطنا بِما لَدَيهِ خُبرًا}؛ أي ومع هذا؛ فكلُّ هذا بتقدير الله له وعلمه {بما لديه خبرًا}؛ أي: بما عنده من الخير والأسباب العظيمة، وعِلْمُنا معه حيثما توجَّه وسار؛ فلما فَعَلَ ذو القرنين هذا الفعل الجميل والأثر الجليل؛ أضاف النعمةَ إلى موليها، وقال: {هذا رحمةٌ من ربِّي}؛ أي: من فضله وإحسانه عليَّ، وهذه حال الخلفاء والصالحين إذا منَّ الله عليهم بالنِّعم الجليلة؛ ازدادَ شكرُهُم وإقرارُهُم واعترافُهم بنعمة الله، بخلاف أهل التجبُّر والتكبُّر والعلوِّ في الأرض؛ فإنَّ النعم الكبار تزيدُهم أشرًا وبطرًا.

ثم ختمت القصة بقوله تعالى: {فَإِذا جاءَ وَعدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعدُ رَبّي حَقًّا}؛ أي: عند خروج يأجوج ومأجوج؛ ﴿جَعَلَه﴾؛ أي: ذلك السدَّ المحكم المتقن {دَكَّاءَ}؛ أي: دكَّه فانهدم، واستوى هو والأرض، {وكان وعدُ ربِّي حقًّا}.

ما أجمل الاهتداء والاستدلال بالقرآن العظيم؛ فمن أحكم وأصدق من الله ورسوله ﷺ قيلاً وحديثا.