«الهجرة القلبية الايمانية لله ورسوله ﷺ»

  • — الثلاثاء يوليو 22, 2025

قال الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) في الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية:

[فصل: في تعين الهجرة من الآراء والبدع إلى سنته-ﷺ-كما كانت فرضا من الأمصار إلى بلدته عليه الصلاة والسلام]

يا قَومُ فَرْضُ الهِجْرَتَيْنِ بحَالِهِ … واللهِ لم يُنْسَخْ إلى ذَا الآنِ

فالهِجرةُ الأولَى إِلى الرحمَنِ بالْـ … إِخْلاَصِ في سِرٍ وفي إعلانِ

حتى يَكُونَ القَصْدُ وجهَ اللهِ بالْـ … أقْوَالِ والأعمالِ والإيمانِ

ويَكُونُ كُلُ الدينِ لِلرَّحمنِ ما … لِسَوَاهُ شيء فيه مِن إنسان

والحَبِ والبَغْضِ اللذَيْنِ هُمَا لكـ … ـلِ ولايَةٍ وَعَدَاوةٍ أصْلان

للهِ أيضًا هَكَذَا الإعْطَاءُ والسَّـ … ـمع اللذانِ عَلَيْهِمَا يَقِفَانِ

واللهِ هذا شطرُ دِينِ اللهِ والتَّـ … ـحْكِيمِ لِلْمُخْتَارِ شَطْرٌ ثانِ

والهجرةُ الأُخْرَى إلى المَبْعُوثِ بالْـ … إسْلامِ والإِيمان والإِحسانِ

أَتَرَوْن هَذي هِجْرَةَ الأَبْدَانِ لا … واللهِ بَل هِيْ هِجْرَةٌ الإِيمانِ

قطعُ المَسَافَةِ بالقُلُوبِ إليهِ في … دَرَكِ الأَصُولِ مَعَ الفُرُوْعِ وذانِ

أبدًا إليهِ حُكْمُهَا لا غَيْرُهُ … فالحُكْمُ مَا حَكَمَتْ به النَّصَانِ

يا هجرةً طالَتْ مَسَافَتُهَا على … مَنْ خُصَّ بالحِرمَانِ والخُذْلاَنِ

يا هِجْرةً طَالَتْ مَسَافَتُهَا عَلَى … كَسَلان مَنْخُوبِ الفُؤادِ جَبَانِ

يا هِجْرَةً والعَبْدُ فوْقَ فِرَاشِهِ … سَبَقَ السُّعاةَ لِمَنزلِ الرِّضْوَان

سَارُوا أَحَثَّ السَيْرِ وهُوَ فَسَيْرُهُ … سَيْرَ الدَّلِيْلِ ولَيْسَ بالذَّمِلانِ

هَذَا وَتَنْظُرُهُ أَمَامَ الرَّكْبِ كَالْـ … عَلَم العَظِيم يُشَافُ في القِيْعَانِ

رُفِعَتْ لَهُ أعلامُ هَاتِيْكَ النُصُو … صِ رُؤوسُها شَابَتْ مِن النِيْرانِ

نارٌ هِيَ النُوْرُ المُبِيْنُ ولَمْ يَكُنْ … لِيَراهُ إلا من لَه عَيْنَانِ مَكْحُولتَانِ

بمِرْوَدِ الوَحْيَيْنِ لا … بمَرَاودِ الآرَاءِ والهَذَيَانِ

فلِذَاكَ شَمَّرَ نَحْوَهَا لَمْ يَلْتَفِتْ … لا عن شَمَائِلِهِ ولا أيْمَانِ

يا قومُ لَو هَاجَرْتُمُو لَرَأَيْتُمُ … أَعْلاَمَ طَيْبَةَ رُؤْيةً بعيانِ

وَرَأَيْتُمُ ذاكَ اللِّوَاءَ وَتَحْتَهُ الرُّ … سْلُ الكِرامُ وَعَسْكرُ الإِيمَانِ

أصحابَ بَدْرٍ والأُلى قَدْ بَايَعُوْا … أزكَى البَرِيَّةِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ

وَكَذَا المُهَاجِرَةُ الأُلَى سَبَقُوا كَذَا الْـ … أنْصَارُ أهْلُ الدارِ والإِيْمَانِ

والتَّابِعُونَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَسَا … لِكُ هَدْيِهِمْ أبدًا بكُلِ زَمَانِ …

لَكِنْ رَضِيْتُمْ بالأَمانِي وابْتُلِيـ … ْتُم بالحظوظ ونَصْرَةِ الإخْوَانِ

بَلْ غَرَّكُم ذَاكَ الغَرُوْرُ وسَوَّلَتْ … لكمُ النُفُوسُ وَسَاوسَ الشيْطَانِ

وَنَبَذْتُم غلَّ النُصُوصِ وَرَاءَكُمْ … وقَنِعْتُمُ بقطارة الآذانِ

وَتَرَكْتُمُ الوَحْيَيْنِ زُهْدَاً فِيْهِمَا … وَرَغِبْتُمُ في رأْيِ كُلِّ فُلانِ

وعَزَلْتُمُ النَّصَيْنِ عَمَّا وُلِيَّا … لِلْحُكْم فيه عَزْلَ ذِي عُدْوَانِ

وَزَعَمْتُمُ أنَّ لَيْسَ يَحْكُم بَيْنَنَا … إلا العُقُولُ ومَنْطِقُ اليَوْنَانِ

حَتَّى إذا انْكَشَفَ الغِطَاءُ وَحُصِّلَتْ … أعْمَالُ هذا الخَلْقِ بالمِيْزَانِ

وإذا انْجَلَى هَذَا الغُبَارُ وَصَارَ مَيـ … ـدَانُ السَّبَاقِ تَنَالُه العَيْنَانِ

وبَدَتْ على تِلكَ الوُجُوهِ سِمَاتُهَا … وسْم المَلِيْكِ القَادِرِ الدَّيَانِ

مُبْيَضَّةً مِثْلَ الرِّياضِ بجنَّةٍ … والسُوْدُ مِثْلَ الفَحْمِ لِلنّيْرَانِ

فَهُنَاكَ يَعْلَمُ رَاكِبٌ ما تَحْتَهُ … وهُنَاكَ يُقْرَعُ نَاجِذُ النَّدْمَانِ

وهُنَاكَ تَعْلَم كُلُّ نَفْسٍ مَا الذِي … معَهَا مِن الأَرباحِ والخُسْرَانِ

وهُنَاكَ يَعْلَمُ مُؤْثِرُ الآراءِ والشَّـ … طحاتِ والهَذَيَانِ والبُطْلانِ

أيَّ البَضَائِعِ قَد أَضَاعَ وما الذي … مِنْهَا تَعَوَّضَ في الزَمَانِ الفَانِ

سُبْحَانَ رَبِ الخَلْقِ قَاسمِ فَضْلِهِ … والعَدْلِ بَيْنَ الناسِ بالمِيْزَانِ

لو شَاءَ كان النَاسُ شَيْئًا واحِدًا … ما فِيْهمُ مِن تَائِهٍ حَيْرَانِ

لَكِنَّه سُبْحَانَه يَخْتَصُّ بالْفضلِ … العَظيِمِ خُلاَصَة الإِنسانِ

وسِوَاهُمُ لا يَصْلَحونَ لِصَالِحٍ … كَالشَّوكِ فَهْوَ عِمَارَةُ النِيْرَانِ

وعِمَارَةُ الجَنَاتِ هُمْ أهلُ الهُدَى … اللهُ أكْبَرُ لَيْسَ يَسْتوِيَان

فَسَلِ الهِدَايَةَ مَنْ أَزمَّة أَمْرِنَا … بِيَدَيْهِ مَسْألةَ الذَلِيْلِ العَانِ

وسَلِ العِيَاذِ من اثْنَتَيْنَ هُمَا اللتَا … نِ بهُلْكِ هَذا الخلقِ كافِلَتَانِ

شَرِ النُفُوسِ وسَيئ الأعْمَالِ مَا … واللهِ أعظَمُ مِنْهُمَا شَرَّانِ

وَلَقد أتَى هَذَا التعوُذُ مِنْهُمَا … في خُطْبَةِ المَبْعُوثِ بالقُرانِ

لو كَانَ يَدْرِيْ العَبْدُ أَنَّ مُصَابَهُ … في هذِهِ الدنيا هُو الشَّرانِ

جَعَلَ التَّعَوُذَ منهما دَيْدَانَهُ … حَتَّى تَراهُ دَاخِلَ الأكْفَانِ

انْتَهَى.