قال الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) في الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية:
[فصل: في تعين الهجرة من الآراء والبدع إلى سنته-ﷺ-كما كانت فرضا من الأمصار إلى بلدته عليه الصلاة والسلام]
يا قَومُ فَرْضُ الهِجْرَتَيْنِ بحَالِهِ … واللهِ لم يُنْسَخْ إلى ذَا الآنِ
فالهِجرةُ الأولَى إِلى الرحمَنِ بالْـ … إِخْلاَصِ في سِرٍ وفي إعلانِ
حتى يَكُونَ القَصْدُ وجهَ اللهِ بالْـ … أقْوَالِ والأعمالِ والإيمانِ
ويَكُونُ كُلُ الدينِ لِلرَّحمنِ ما … لِسَوَاهُ شيء فيه مِن إنسان
والحَبِ والبَغْضِ اللذَيْنِ هُمَا لكـ … ـلِ ولايَةٍ وَعَدَاوةٍ أصْلان
للهِ أيضًا هَكَذَا الإعْطَاءُ والسَّـ … ـمع اللذانِ عَلَيْهِمَا يَقِفَانِ
واللهِ هذا شطرُ دِينِ اللهِ والتَّـ … ـحْكِيمِ لِلْمُخْتَارِ شَطْرٌ ثانِ
والهجرةُ الأُخْرَى إلى المَبْعُوثِ بالْـ … إسْلامِ والإِيمان والإِحسانِ
أَتَرَوْن هَذي هِجْرَةَ الأَبْدَانِ لا … واللهِ بَل هِيْ هِجْرَةٌ الإِيمانِ
قطعُ المَسَافَةِ بالقُلُوبِ إليهِ في … دَرَكِ الأَصُولِ مَعَ الفُرُوْعِ وذانِ
أبدًا إليهِ حُكْمُهَا لا غَيْرُهُ … فالحُكْمُ مَا حَكَمَتْ به النَّصَانِ
يا هجرةً طالَتْ مَسَافَتُهَا على … مَنْ خُصَّ بالحِرمَانِ والخُذْلاَنِ
يا هِجْرةً طَالَتْ مَسَافَتُهَا عَلَى … كَسَلان مَنْخُوبِ الفُؤادِ جَبَانِ
يا هِجْرَةً والعَبْدُ فوْقَ فِرَاشِهِ … سَبَقَ السُّعاةَ لِمَنزلِ الرِّضْوَان
سَارُوا أَحَثَّ السَيْرِ وهُوَ فَسَيْرُهُ … سَيْرَ الدَّلِيْلِ ولَيْسَ بالذَّمِلانِ
هَذَا وَتَنْظُرُهُ أَمَامَ الرَّكْبِ كَالْـ … عَلَم العَظِيم يُشَافُ في القِيْعَانِ
رُفِعَتْ لَهُ أعلامُ هَاتِيْكَ النُصُو … صِ رُؤوسُها شَابَتْ مِن النِيْرانِ
نارٌ هِيَ النُوْرُ المُبِيْنُ ولَمْ يَكُنْ … لِيَراهُ إلا من لَه عَيْنَانِ مَكْحُولتَانِ
بمِرْوَدِ الوَحْيَيْنِ لا … بمَرَاودِ الآرَاءِ والهَذَيَانِ
فلِذَاكَ شَمَّرَ نَحْوَهَا لَمْ يَلْتَفِتْ … لا عن شَمَائِلِهِ ولا أيْمَانِ
يا قومُ لَو هَاجَرْتُمُو لَرَأَيْتُمُ … أَعْلاَمَ طَيْبَةَ رُؤْيةً بعيانِ
وَرَأَيْتُمُ ذاكَ اللِّوَاءَ وَتَحْتَهُ الرُّ … سْلُ الكِرامُ وَعَسْكرُ الإِيمَانِ
أصحابَ بَدْرٍ والأُلى قَدْ بَايَعُوْا … أزكَى البَرِيَّةِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ
وَكَذَا المُهَاجِرَةُ الأُلَى سَبَقُوا كَذَا الْـ … أنْصَارُ أهْلُ الدارِ والإِيْمَانِ
والتَّابِعُونَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَسَا … لِكُ هَدْيِهِمْ أبدًا بكُلِ زَمَانِ …
لَكِنْ رَضِيْتُمْ بالأَمانِي وابْتُلِيـ … ْتُم بالحظوظ ونَصْرَةِ الإخْوَانِ
بَلْ غَرَّكُم ذَاكَ الغَرُوْرُ وسَوَّلَتْ … لكمُ النُفُوسُ وَسَاوسَ الشيْطَانِ
وَنَبَذْتُم غلَّ النُصُوصِ وَرَاءَكُمْ … وقَنِعْتُمُ بقطارة الآذانِ
وَتَرَكْتُمُ الوَحْيَيْنِ زُهْدَاً فِيْهِمَا … وَرَغِبْتُمُ في رأْيِ كُلِّ فُلانِ
وعَزَلْتُمُ النَّصَيْنِ عَمَّا وُلِيَّا … لِلْحُكْم فيه عَزْلَ ذِي عُدْوَانِ
وَزَعَمْتُمُ أنَّ لَيْسَ يَحْكُم بَيْنَنَا … إلا العُقُولُ ومَنْطِقُ اليَوْنَانِ
حَتَّى إذا انْكَشَفَ الغِطَاءُ وَحُصِّلَتْ … أعْمَالُ هذا الخَلْقِ بالمِيْزَانِ
وإذا انْجَلَى هَذَا الغُبَارُ وَصَارَ مَيـ … ـدَانُ السَّبَاقِ تَنَالُه العَيْنَانِ
وبَدَتْ على تِلكَ الوُجُوهِ سِمَاتُهَا … وسْم المَلِيْكِ القَادِرِ الدَّيَانِ
مُبْيَضَّةً مِثْلَ الرِّياضِ بجنَّةٍ … والسُوْدُ مِثْلَ الفَحْمِ لِلنّيْرَانِ
فَهُنَاكَ يَعْلَمُ رَاكِبٌ ما تَحْتَهُ … وهُنَاكَ يُقْرَعُ نَاجِذُ النَّدْمَانِ
وهُنَاكَ تَعْلَم كُلُّ نَفْسٍ مَا الذِي … معَهَا مِن الأَرباحِ والخُسْرَانِ
وهُنَاكَ يَعْلَمُ مُؤْثِرُ الآراءِ والشَّـ … طحاتِ والهَذَيَانِ والبُطْلانِ
أيَّ البَضَائِعِ قَد أَضَاعَ وما الذي … مِنْهَا تَعَوَّضَ في الزَمَانِ الفَانِ
سُبْحَانَ رَبِ الخَلْقِ قَاسمِ فَضْلِهِ … والعَدْلِ بَيْنَ الناسِ بالمِيْزَانِ
لو شَاءَ كان النَاسُ شَيْئًا واحِدًا … ما فِيْهمُ مِن تَائِهٍ حَيْرَانِ
لَكِنَّه سُبْحَانَه يَخْتَصُّ بالْفضلِ … العَظيِمِ خُلاَصَة الإِنسانِ
وسِوَاهُمُ لا يَصْلَحونَ لِصَالِحٍ … كَالشَّوكِ فَهْوَ عِمَارَةُ النِيْرَانِ
وعِمَارَةُ الجَنَاتِ هُمْ أهلُ الهُدَى … اللهُ أكْبَرُ لَيْسَ يَسْتوِيَان
فَسَلِ الهِدَايَةَ مَنْ أَزمَّة أَمْرِنَا … بِيَدَيْهِ مَسْألةَ الذَلِيْلِ العَانِ
وسَلِ العِيَاذِ من اثْنَتَيْنَ هُمَا اللتَا … نِ بهُلْكِ هَذا الخلقِ كافِلَتَانِ
شَرِ النُفُوسِ وسَيئ الأعْمَالِ مَا … واللهِ أعظَمُ مِنْهُمَا شَرَّانِ
وَلَقد أتَى هَذَا التعوُذُ مِنْهُمَا … في خُطْبَةِ المَبْعُوثِ بالقُرانِ
لو كَانَ يَدْرِيْ العَبْدُ أَنَّ مُصَابَهُ … في هذِهِ الدنيا هُو الشَّرانِ
جَعَلَ التَّعَوُذَ منهما دَيْدَانَهُ … حَتَّى تَراهُ دَاخِلَ الأكْفَانِ
انْتَهَى.
