من لطائف المعروف التي تروى بين العرب أن أميراً ﺍﺳﺘﺪﻋﻰ الشعراء يوماً، ﻓﺼﺎﺩﻓﻬﻢ ﺷﺎﻋﺮ ﻓﻘﻴﺮ ﺑﻴﺪﻩ ﺟﺮّﺓ ﻓﺎﺭﻏﺔ ﺫﺍﻫﺒﺎً ﻟﻴﻤﻸﻫﺎ ﻣﺎﺀ، ﻓﺮﺍﻓﻘﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻭﺻﻠﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﺩﺍﺭ ﺍلأمير، ﻓﺒﺎﻟﻎ ﻓﻲ ﺇﻛﺮﺍﻣﻬﻢ ﻭﺍﻹﻧﻌﺎﻡ ﻋﻠﻴﻬﻢ، ﻭﻟّﻤﺎ ﺭﺃﻯ ﺍﻟﺮﺟﻞ بينهم ﻭﺍﻟﺠﺮّﺓ ﻋﻠﻰ ﻛﺘﻔﻪ، رث الثياب، ﻗﺎﻝ له: ﻣﻦ ﺃﻧﺖ؟ ﻭﻣﺎ ﺣﺎﺟﺘﻚ؟
ﻓﺄﻧﺸﺪ ﺍﻟﺮﺟﻞ:
ﻭﻟﻤﺎ ﺭﺃﻳﺖُ ﺍﻟﻘﻮﻡَ ﺷﺪﻭﺍ ﺭﺣﺎﻟﻬﻢ.. ﺇﻟﻰ ﺑﺤﺮِﻙ ﺍﻟﻄَّﺎﻣﻲ ﺃﺗﻴﺖُ ﺑِﺠﺮﺗّﻲ
ﻓﻘﺎﻝ ﺍلأمير: ﺍﻣﻸﻭﺍ ﻟﻪ ﺍﻟﺠّﺮﺓ ﺫﻫﺒﺎً ﻭﻓﻀّﺔ.
ﻓﺤﺴﺪﻩ البعض وقالوا: ﻫﺬﺍ ﻓﻘﻴﺮ ﻣﺠﻨﻮﻥ ﻻ ﻳﻌﺮﻑ ﻗﻴﻤﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺎﻝ، ﻭﺭﺑّﻤﺎ ﺃﺗﻠﻔﻪ ﻭﺿﻴّﻌﻪ.
ﻓﻘﺎﻝ ﺍلأمير: ﻫﻮ ﻣﺎﻟﻪ ﻳﻔﻌﻞ ﺑﻪ ﻣﺎ ﻳﺸﺎﺀ، ﻓﻤُﻠﺌﺖ ﻟﻪ ﺟﺮّﺗﻪ ﺫﻫﺒﺎً، ﻭﺧﺮﺝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻓﻔﺮّﻕ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻟﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻔﻘﺮﺍﺀ، ﻭﺑﻠﻎ ﺍلأمير ﺫﻟﻚ، ﻓﺎﺳﺘﺪﻋﺎﻩ ﻭﺳﺄﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ، ﻓﻘﺎﻝ:
ﻳﺠـــﻮﺩ ﻋﻠﻴﻨـﺎ ﺍﻟﺨﻴّـــﺮﻭﻥ ﺑﻤﺎﻟﻬﻢ.. ﻭﻧﺤـــﻦ ﺑﻤــﺎﻝ ﺍﻟﺨﻴّﺮﻳــﻦ ﻧﺠــﻮدُ
ﻓﺄﻋﺠﺐ ﺍلأمير ﺑﺠﻮﺍﺑﻪ، ﻭﺃﻣﺮ بأﻥ ﺗُﻤﻸ ﺟﺮّﺗُﻪ ﻋﺸﺮ ﻣﺮّﺍﺕ ذهباً وفضة.
ﻭﻗﺎﻝ: ﺍﻟﺤﺴﻨﺔ ﺑﻌﺸﺮ ﺃﻣﺜﺎﻟﻬﺎ، ﻓﺄﻧﺸﺪ ﺍﻟﻔﻘﻴﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺑﻴﺎﺕ التي تنسب إلى الإمام الشافعي (رحمه الله):
ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺍﻟﻮﻓﺎﺀ ﺑﻬﻢ.. ﻭﺍﻟﻌﺴﺮ ﻭﺍﻟﻴﺴﺮ ﺃﻭﻗﺎﺕ ﻭﺳﺎﻋﺎﺕُ
ﻭﺃﻛﺮﻡ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﺭﻯ ﺭﺟﻞٌ.. ﺗﻘﻀﻰ ﻋﻠﻰ ﻳﺪﻩ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﺣﺎﺟﺎﺕُ
ﻻ ﺗﻘﻄﻌﻦ ﻳﺪ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﻋﻦ ﺃﺣــﺪٍ.. ﻣـﺎ ﺩﻣـﺖ ﺗـﻘﺪﺭ ﻭﺍﻷﻳـﺎﻡ ﺗـــﺎﺭﺍﺕُ
ﻭﺍﺫﻛﺮ ﻓﻀﻴﻠﺔ ﺻﻨﻊ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﺫ ﺟﻌﻠﺖ.. ﺇﻟﻴﻚ ﻻ ﻟﻚ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺣﺎﺟـﺎﺕُ
ﻗﺪ ﻣﺎﺕ ﻗﻮﻡ ﻭﻣﺎ ﻣﺎﺗﺖ ﻓﻀﺎﺋﻠﻬﻢ.. ﻭﻋﺎﺵ ﻗﻮﻡ ﻭﻫﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﻣﻮﺍﺕُ
وفي الحقيقة، فإن قبائل العرب عبر تاريخها الطويل ظلت دائماً تمجد القيم الإنسانية النبيلة وعمل الخير في أمثالها الشعبية وحكمها الشائعة المتوارثة عبر أشعارها، التي تجسد آلتها الإعلامية الأشد تأثيراً على مدى القرون الماضية. والبيت المروي عن الحطيئة يؤكد ذلك حين قال:
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ.. لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ.
الخلاصة… على المرء يجب أن يُدرك، بِأنّ حوائج الناس مقضية مقضية، لكن عندما يختارك الله لتكون سبباً في قضائها فهذا فضلٌ من الله عليك؛ عبادة من أعظم العبادات التي تنفع من يقوم بها؛ فمن سار في قضاء حوائج الناس “المباحة” قضى الله -عز وجل- حوائجه مصداقًا لقول-ﷺ-:«وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ» – رواه مسلم.
يقول الإمام ابن القيم (رحمه الله): “إن في قضاء حوائج الناس لذة لا يعرفها إلا من جرَّبها، فافعل الخير مهما استصغرته، فإنك لا تدري أي حسنة تدخلك الجنة”.
هنيئا لمن إستعمله الله في قضاء حوائج الناس!
