العلم بحال السرائر، وأنها ستُبلى وتنجلي، وسيأتي اليوم الذي ينكشف فيه ما في الضمائر، وذلك ساعة الشدة والمحنة – سواء في الدنيا أو الآخرة – ومهما حاول العبد وقتها كتمانَ سريرته، فما له من قوة ولن يستطيع لذلك سبيلًا.
والسريرة هنا ما يُسِرُّه العبد من نيَّات خبيثة؛ كالرياء، والنفاق، وذنوب الخلوات، وغيرها.
فقد يبتلي الله سريرة العبد بمصيبةٍ أو بليَّة أو شدة، وبعدها يتجلَّى لخلق الله صدقُ هذا العبد من كذبه، وتقواه من فجوره، قال الله تعالى: ﴿ الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(٤)﴾ [ سورة العنكبوت].
قِفْ وقفة إمعان وتدبُّر مع هذه الآيات التي تكشف الخفايا، وخبث النوايا، وتدبر سوء النهاية.
قد تكون هذه السيئات هي ذنوب الخلوات التي تخفى على كثير من خلق الله، فأصحابها حسِبوا أن هذه الذنوب تَخفى على الله سبحانه وتعالى، وأن الله لا يُحاسبهم عليها، وهو سوء ظن بالعليم الخبير، الذي يجازي على النَّقير والقِطْمير، بل سيكشف أمرهم ويفضحهم بهذه الذنوب، عياذًا بالله.
لكن أكبر مصيبة تنزل بهم وتكشف أمرهم حين يَلْقَون ربَّهم يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ(١٠) ﴾ [سورة الطارق]؛ تبلى السرائر: أي تخرُج مخبَّآتُها وتظهر، فلا يستطيع العبد حينها سترَ ما بدا من سيئاته، وما كان يُضمر من خبث نياته.
وهكذا حال هؤلاء حين ينزل بهم البلاء وتشتد بهم السنون، فتراهم يتسللون من الناس لِواذًا، ويخرُجون من الدِّين كخروج السهم من الرميَّة، ويحاربون الله ورسوله في الخلوة.
فالخذر الحذر من الرياء، فهو صفة من صفات المنافقين التي تُلحِق بأصحابها المقتَ من الله، وعلى العبد أن يكون على علمٍ بحال سريرته، فيُصلِحها إن كان بها فساد، بحملها على الإخلاص.
وليحذرْ من ذنوب الخلوات؛ فهي سبب الانتكاسات، ومعظم سُوء الخاتمة هي بسبب هذه الذنوب، عياذًا بالله؛ وليعلمِ العبد أن الله سيَبتلي العبادَ حتى يتبينَ حال نيَّاتهم.
عن ثوبان، عن النبي ﷺ، أنه قال: «لأعلمنَّ أقوامًا مِن أمتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثالِ جبالِ تِهامةَ بيضًا، فيجعلُها الله عز وجل هباءً منثورًا»، قال ثوبان: يا رسول الله، صِفْهم لنا، جَلِّهم لنا؛ ألا نكونَ منهم ونحن لا نعلم، قال: «أَمَا إنهم إخوانُكم، ومن جِلْدتِكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوامٌ إذا خلَوا بمحارم الله انتهكوها»؛ وصححه الألباني في “صحيح ابن ماجه”.
هذا الحديث تقشعرُّ له الأبدان؛ لهولِ ما فيه من عِبَر تسكب له العبَرات، فالكثير من بني جِلدتنا قد اغترُّوا ببعض الصالحات من أعمالِهم، وظَنُّوا أنها ستَحُول بينهم وبين سَخَط الله تعالى وعقابه، مع ما هم مقيمون عليه من ذنوب الخلوات التي تستوجب مقت وغضب الديَّان. وهذا حال من يستخفي بعيدًا عن أنظار الناس، ثم يرتكب المعاصي، وينسى أن الله سبحانه مُطَّلع عليه وعلى سريرته، ولا تخفى عليه خافيةٌ من أمور عباده؛ وهو جل جلاله أحقُّ بالخوف والخشية؛ لأنه سيُحاسب عن كل ما أسرَّه العبد وأخفاه، وما أظهره وأبداه.
قال الإمام ابن الجوزي-رحمه الله-: “وقد يُخفي الإنسان ما لا يرضاه اللهُ عز وجل، فيُظهِره الله سبحانه عليه ولو بعد حين، ويُنطِق الألسنة به وإن لم يشاهده الناس، وربما أوقع صاحبَه في آفةٍ يفضحه بها بين الخلق، فيكون جوابًا لكلِّ ما أخفى من الذنوب؛ وذلك ليعلم الناس أن هناك مَن يُجازي على الزلل”.
قال ابن الأعرابي-رحمه الله-: “أخسرُ الخاسرين مَن أبدى للناسِ صالح أعماله، وبارَز بالقبيح من هو أقربُ إليه من حبل الوريد”.
وقال الامام ابن القيم-رحمه الله-: “أجمع العارفون بالله أن ذنوبَ الخلوات هي أصل الانتكاسات”. وأيَّده في ذلك ابن رجب-رحمه الله- فقال: “خاتمة السوء تكون بسبب دسيسةٍ باطنة بين العبد وربه”.
قال الناظم:
وكُلُّ سَرِيرَةٍ تُبْلَى ببَيْنٍ.. كَمَا الصَّفْوَانُ ثَاوٍ فِي الهَجِيجِ
تَسَتَّر بَيْنَ وَحْلِ السَّيْلِ رَدْحًا.. وَأَضْحَى أصْلَدًا بَعْدَ الثَّجِيجِ
والمرائي او المنافق الذي يُظهر عكس ما يُخفي ويُسِرُّ، مَثَلُه كمَثَل هذه الحجارة المَلْساء التي تتخفَّى تحت التراب، لكن لا تلبث وينكشف أمرها وتظهر للعيان بمظهرها الحقيقي، وذلك حين نزول المطر الذي يزيل الغبار عنها، ويَحُول بينها وبين الغطاء الذي يحجبها.
قال مُطَرِّف بن الشِّخِّير-رحمه الله-: “إذا اسْتَوَتْ سريرةُ العبد وعلانيته، قال الله عزَّ وجلَّ: هذا عبدي حقًّا”.
أيها العبد المبتلى… إياكَ وإطلاقَ بصرِك في خلوتك، تنظر يمينًا وشمالًا في العورات، وتقلب ببصرك في المنصات، ووسائل التواصل، فهي أكبر موردٍ من موارد الشر التي هتكَت الأستار، وشتت الأغيار، فأضحت لا تخاف من رقيب عتيد، يخبر بعلمه الدقيق حركة العين التي تَسْتَرِقُ النظر بفعلها وما تخفي الصدور.
وقد أوصى رسول الله -ﷺ- أبا ذر-رضي الله عنه-:«أوصيك بتقوى الله تعالى في سِرِّ أمرِك وعلانيته»؛ صحيح الجامع.
نعوذ بالله مِن شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونعوذ بك من المنكرات وذنوب الخلوات، ونعوذ بك من الرياء والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق. اللهم استُرْ عيوبنا وعوراتنا، وتجاوَز عن زلَّاتنا، وألهمنا الإخلاص فهو الخلاص، يا عزيز يا غفار.
