كان حدث وفاة الرسول -ﷺ- أعظم حدث مر بالمسلمين فأذهل عقولهم، وزلزل أركانهم، وأفقدهم الوعي والفكر والفهم.
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: ولما توفي -ﷺ- اضطرب المسلمون، فمنهم من دُهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يُطق القيام، ومنهم من اعتُقِل لسانه فلم يُطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية.
وذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في أحداث سنة إحدى عشرة من الهجرة: استهلت هذه السنة وقد استقر الركابُ الشريف النبوي بالمدينة النبوية المطهرة، مرجعه من حجة الوداع.
وقد وقعت في هذه السنة أمورٌ عظام، من أعظمها خطباً وفاة رسول الله -ﷺ- ولكنه عليه السلام نقله الله -عز وجل- من هذه الدار الفانية إلى النعيم المقيم الأبدي، في محلة عالية رفيعة، ودرجة في الجنة لا أعلى منها ولا أسنى، كما قال تعالى: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى (٤) ولسوف يعطيك ربك فترضى(٥) ﴾ [سورة الضحى]، وذلك بعد ما أكمل أداء الرسالة التي أمره الله بإبلاغها ونصح أمته، ودلهم على خير ما يعلمه لهم، وحذرهم ونهاهم عما فيه مضرة لهم في دنياهم وآخراهم.
آخر أيام نبينا محمد ﷺ في الحياة الدنيا
كانت وفاة الرسول-ﷺ- بعد حجة الوداع، ونزل قول الله عز وجل ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا﴾ فبكى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- عند سماعه هذه الآية فقالوا له: ما يبكيك يا أبو بكر، فقال-رضي الله عنه-: هذا نعي رسول الله.
وعاد الرسول -ﷺ- إلى المدينة، وقبل وفاته بـ (٩) أيام نزلت آخر آية من القرآن الكريم: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه الي الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾.
وبدأ الوجع يظهر علي الرسول -ﷺ- فقال: أريد أن أزور شهداء أحد فذهب الى البقيع، ووقف على قبور الشهداء وقال: «السلام عليكم يا شهداء أحد، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وإني إن شاء الله بكم لاحق».
وقبل الوفاة بـ (٣) أيام بدأ الوجع يشتد عليه -ﷺ- وكان في حجرة أم المؤمنين ميمونة -رضي الله عنها- فقال -ﷺ-: «اجمعوا زوجاتي» فجمعت الزوجات فقال النبي-ﷺ-: «أتأذنون لي أن أمرض في بيت عائشة؟» فقلن: نأذن لك يا رسول الله، فأراد أن يقوم فما استطاع، فجاء علي بن أبي طالب والفضل بن العباس -رضي الله عنهما- فحملا النبي وخرجوا به من حجرة الى حجرة أم المؤمين عائشة -رضي الله عنها-، فرآه الصحابة على هذا الحال لأول مرة، فيبدأ الصحابة في السؤال بهلع: ماذا أحل برسول الله؟ ماذا أحل برسول الله؟ فتجمع الناس في المسجد وامتلأ وتزاحم الناس عليه فبدأ العرق يتصبب من النبي -ﷺ- بغزارة، ولما جاؤوا به -ﷺ- الى حجرة عائشة -رضي الله عنها-، قالت: لم ارى أحد يتصبب عرقا بهذه الغزارة، وكنت آخذ بيد النبي -ﷺ- وأمسح بها وجهه، وتقول-رضي الله عنها- : فأسمعه يقول: «لا اله إلا الله، إن للموت لسكرات».
ثم كثر اللغط (الكلام) في المسجد إشفاقاً على الرسول فقال النبي -ﷺ-: «ماهذا ؟» فقالوا: يا رسول الله، يخافون عليك، فقال -ﷺ-: «إحملوني إليهم» فأراد أن يقوم فما إستطاع فصبوا عليه (٧) قرب من الماء حتي يفيق فحمل النبي -ﷺ- وصعد إلى المنبر فكانت آخر خطبة وآخر كلمات لرسول الله فقال-ﷺ-: «أيها الناس، كأنكم تخافون علي؟» فقالوا: نعم يا رسول الله، فقال: «أيها الناس، موعدكم معي ليس في الدنيا، موعدكم معي عند الحوض، والله لكأني أنظر اليه من مقامي هذا، أيها الناس، والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم» ثم قال -ﷺ-: «أيها الناس ، الله الله في الصلاة ، الله الله في الصلاة» بمعني أستحلفكم بالله العظيم أن تحافظوا على الصلاة، وظل يرددها ثم قال:«أيها الناس، اتقوا الله في النساء، اتقوا الله في النساء، اوصيكم بالنساء خيرا»، ثم قال -ﷺ-:«أيها الناس إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله» وكان يقصد نفسه -ﷺ- بينما أبوبكر -رضي الله عنه- هو الوحيد الذي فهم هذه الجملة، فانفجر بالبكاء وعلا نحيبه، ووقف وقاطع النبي..!!! وقال: فديناك بآبائنا، فديناك بأمهاتنا، فديناك بأولادنا، و بأزواجنا، فديناك بأموالنا..!!! وظل يرددها فنظر الناس إلى أبو بكر؛ كيف يقاطع النبي فأخذ النبي يدافع عن أبو بكر..!! قائلاً -ﷺ-: «أيها الناس، دعوا أبوبكر، فما منكم من أحد كان له عندنا من فضل إلا كافأناه به، إلا أبوبكر! لم أستطع مكافأته، فتركت مكافأته إلى الله عز وجل، كل الأبواب إلى المسجد تسد إلا باب أبوبكر لا يسد أبداً».
وأخيراً قبل نزوله من المنبر بدأ الرسول -ﷺ- بالدعاء للمسلمين قبل وفاته كآخر دعوات لهم فقال -ﷺ- :«أواكم الله، حفظكم الله، نصركم الله، ثبتكم الله، أيدكم الله»، وكانت آخر كلمة قالها كلمة موجهة إلى الأمة من على منبره قبل نزوله -ﷺ- قال :«أيها الناس، أقرأوا مني السلام كل من تبعني من أمتي إلى يوم القيامة»، وحمل -ﷺ- إلى حجرته، وبينما هو هناك دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما- وفي يده سواك، فظل النبي -ﷺ- ينظر الى السواك، ولكنه لم يستطيع أن يطلبه من شدة مرضه، ففهمت السيدة عائشة -رضي الله عنها- من نظرة النبي-ﷺ-، فأخذت السواك من عبد الرحمن ووضعته في فم النبي -ﷺ-، فلم يستطع أن يستاك به، فأخذته من النبي -ﷺ- وجعلت تلينه بفمها وردته للنبي -ﷺ- مرة أخرى حتى يكون طرياً عليه فقالت: كان آخر شيء دخل جوف النبي هو ريقي، فكان من فضل الله علي أن جمع بين ريقي وريق النبي -ﷺ- قبل أن يموت.
تقول أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها-: ثم دخلت فاطمة بنت النبي-رضي الله عنها-، فبكت، لأن النبي -ﷺ- لم يستطع القيام، كان يقبلها بين عينيها كلما جاءت إليه فقال النبي -ﷺ- :«أدنو مني يا فاطمة» فحدثها النبي -ﷺ- في أذنها، فبكت أكثر، فلما بكت قال لها النبي-ﷺ-: «أدنو مني يا فاطمة» فحدثها مرة أخر في اذنها، فضحكت … ولما سئلت رضي الله عنها -بعد وفاته- ماذا قال لكِ النبي ﷺ؟ فقالت: قال لي في المرة الأولى: «يا فاطمة، إني ميت الليلة» فبكيت، فلما وجدني أبكي قال:«يا فاطمة، أنتِ أول أهلي لحاقاً بي» فضحكت.
ثم قال النبي -ﷺ-:«أخرجوا من عندي في البيت» وقال :«ادنو مني يا عائشة» فوضع النبي -ﷺ- رأسه على صدرها، ويرفع يده للسماء ويقول: «بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى»، تقول أم المؤمنين عائشه: فعرفت أنه يخير؛ دخل جبريل -عليه السلام- وقال : يارسول الله، ملك الموت بالباب، يستأذن أن يدخل عليك، وما استأذن على أحد من قبلك، فقال النبي -ﷺ-: «ائذن له يا جبريل» فدخل ملك الموت على النبي -ﷺ- وقال: السلام عليك يا رسول الله، أرسلني الله أخيرك، بين البقاء في الدنيا وبين أن تلحق بالله فقال النبي-ﷺ-: «بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى» ووقف ملك الموت عند رأس النبي -ﷺ- وقال: “أيتها الروح الطيبه روح محمد بن عبد الله أخرجي إلى رضا من الله و رضوان ورب راض غير غضبان”. تقول أم المؤمنين عائشه -رضي الله عنها-: فسقطت يد النبي -ﷺ- وثقلت رأسه على صدري فعرفت أنه قد مات، فلم أدر ما أفعل، فما كان مني غير أن خرجت من حجرتي، وفتحت بابي الذي يطل على الرجال في المسجد وأقول: مات رسول الله، مات رسول الله.
فانفجر المسجد بالبكاء؛ فهذا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أقعد فلم يقدر ان يتحرك .. وهذا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- كالصبي يؤخذ بيده يمنة ويسرى..
وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يرفع سيفه ويقول من قال أنه قد مات قطعت رأسه إنه ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى للقاء ربه وسيعود وسأقتل من قال أنه قد مات.
أما أثبت الناس فكان أبوبكر الصديق -رضي الله عنه-، دخل علي النبي واحتضنه وقال: وآآآ خليلاه، وآآآ صفياه، وآآآ حبيباه، وآآآ نبياه وقبل النبي -ﷺ-، وقال: طبت حياً وطبت ميتاً يا رسول الله، ثم خرج يقول للناس: من كان يعبد محمد فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت فسقط السيف من يد عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-، يقول عمر -رضي الله عنه-: فعرفت أنه قد مات، فخرجت أجري أبحث عن مكان أجلس فيه وحدي لأبكي وحدي.
وبعد دفن النبي -ﷺ- قالت فاطمة -رضي الله عنها-: “أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على وجه النبي ووقفت تنعي النبي وتقول: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، الى جبريل ننعاه”.
قال أنس ابن مالك -رضي الله عنه-: لمَّا كانَ اليومُ الَّذي دخلَ فيهِ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- المدينةَ أضاءَ منْها كلُّ شيءٍ، فلمَّا كانَ اليومُ الَّذي ماتَ فيهِ أظلمَ منْها كلُّ شيءٍ، وما نفَضنا عنِ النَّبيِّ -ﷺ- الأيديَ حتَّى أنْكَرنا قلوبَنا.
لا شك أن عين المسلم ابتلت بالدموع، والقلب اشتاق لرؤية الرحمة المهداة والسراج المبين نبينا وحبيبنا محمد -ﷺ-، فعليكم بسنته -ﷺ- وسيكون الموعد عند الحوض بإذن الله تعالى.
اللهم اجعلنا من أهل جنة النعيم، المجاورين لنبينا وحبيبنا وقرة اعيننا محمد-ﷺ- ووالدينا وأهلينا وأرحامنا وأحبابنا وجميع المسلمين الاحياء منهم والميتين، وصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
استمع 👇
