ضجَّتْ الأسئلةُ مِن حوله، وعلا استنكارها!
أتخوض الكلمة حَربًا؟!
أتبارز الأقلام في المعارك؟!
أيحوز الحرف الهزيلُ نصرًا؟!
للكلماتِ أسْرارٌ، عصيَّة على الاكتشاف أحيانًا!
فكَمْ مِن كلمةٍ جلَّتْ للأفهامِ السَّليمةِ الحقائق، وأماطَت عنها لثامَ الزَّيفِ والخديعَةِ!
وكَمْ مِن كلمةٍ أثارَتْ مكامِنَ التَّفكيرِ لدينا، فتركتنا في فضاء التَّأمل نبحثُ وندقِّقُ!
وكَمْ مِن كلمةٍ نثرَتْ في قلوبِنا بذرةَ خـيرٍ، لم نَعبأ بها لصغرها، امتدَّتْ جذورها بين حَنايانا؛ نمَتْ.. أثمرَتْ.. أضحَتْ شجرةً وارفةً، نلوذُ بظلِّها كلما لَفَحَنَا هجيرُ الشَّرِّ!
وكَمْ مِن كلمةِ نصحٍ، هدَتْ قلوبنا، وثبَّتتْ أقدامنا، حينما تهادَتْ إلى مسامِعِنا في رفقٍ ولينٍ!
وكَمْ مِن كلمةِ إيمانٍ صُدَحْ بها في عِزَّةٍ ويَقينٍ، فجاءَ النَّصرُ والتَّمكينُ مِن ربِّ العالمين!
وتاريخنا الإسلامي حافلٌ بالمواقف والعِبَر التي تسيل فيها حروف الكلمات الصادقةً.. فيشعُّ، ويسري ضوءُها قناديلَ هدايَةٍ، ومنائرَ فرقانٍ:
«قولوا: الله مولانا، ولا مولىٰ لكم»
يوم أحُد، لما انقضت الحرب، أشرف “أبو سفيان” على الجبل، فنادى: أفيكم محمَّد؟
فلم يجيبوه.
فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟
فلم يجيبوه.
فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه.
فقال: أما هؤلاء ، فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر -رضي الله عنه- نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياءٌ، وقد أبقى الله لك ما يسوءُك.
فقال: قد كان في القوم مثلةٌ لم آمر بها، ولم تَسُؤْني، ثم قال: اعْلُ هُبَل.
فقال النبي -ﷺ-: « ألا تجيبونه! »
فقالوا: ما نقول؟
قال-ﷺ-: « قولوا: الله أعلىٰ وأجلّ»
ثم قال أبو سفيان: لنا العُزَّى، ولا عزى لكم.
قال-ﷺ- : « ألا تجيبونه ! » قالوا: ما نقول؟
قال-ﷺ-: «قولوا: الله مولانا، ولا مولىٰ لكم».
هل كانت الكلمات مجرد كلمات؛ بلا روح.. بلا مَعنى.. بلا تأثير؟
إنها قذائف مُدوية أُلقيَتْ على أهلِ الكُفرِ فدَمَغَتْهُمْ دَمْغًا، وثبَّـتَتْ قلوبَ قومٍ مؤمنين!
“أَحَدٌ .. أحَدٌ!”
وهناك.. على رمال الصحراء المُلتهبة، كان عدو الله “أمية بن خلف” يُخرِج سيدنا بلال بن رباح -رضي الله عنه- إذا حميتْ الظَّهيرة، ثم يأمر بالصَّخرةِ العظيمةِ فتوضعَ على صدرِهِ، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمَّدٍ، وتعبد اللاّت والعزى! فيقول ـ وهو في ذلك البلاء : “أَحَدٌ .. أحَدٌ!” هل كانت مجرد كلمة؛ بلا روح.. بلا مَعنى.. بلا تأثير؟
أم إنها كلمات مؤمنٌ.. لا يسجدُ إلا للهِ، نَبَعَتْ مِن القلبِ، فسَرَتْ مع الدِّماء غِذاءً و دواءً، فاسْتُعذِبَ الألم برغمِ مَرارتِهِ!
كلام صاحب المبدأ.. يعرفُ قَدْرَ نفسِهِ، ويُدرك قيمةَ الكلمة!
يؤدي مهمَّتَه بأمانةٍ وحبٍّ وإخلاص، لا تأخذه في الحقِّ لومَةَ لائِمٍ .. فتسيل حروف الكلمات الصادقةً.. فيشعُّ، ويسري ضوءُها قناديلَ هدايَةٍ، ومنائرَ فرقانٍ!
كانَ -ﷺ- يقولُ في دعائِهِ:«ربِّ أعنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصُرني ولا تنصُرْ عليَّ، وامكُر لي ولا تَمكُر عليَّ، واهدِني ويسِّرِ الهدى لي، وانصُرني على من بغَى عليَّ، ربِّ اجعَلني لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مُطيعًا، إليكَ مُخبتًا، إليكَ أوَّاهًا مُنيبًا، ربِّ تقبَّل تَوبَتي، واغسِل حَوبَتي، وأجِب دعوَتي، واهدِ قلبي، وسدِّد لساني، وثبِّت حجَّتي واسلُلْ سَخيمةَ قلبي».
