«العنف لا يولد إلا العنف»

  • — الأربعاء أغسطس 20, 2025

العنف لا يولد إلا العنف، والحلم الوديع قد ينقلب تحت ضغط العنف إلى ماردٍ، والأحداث الجارية والتغيُّرات الهائلة أكبرُ دليل على ذلك، وهذه المتغيرات وتلك الأحداث تسير وفق سنن إلهية، تَحت سنة التدافع، هذه السنن التي تشل حركةَ الظالمين، بل قد يكون هذا الدفع على أيدي أضعفِ المخلوقات، التي لا يعيرها الإنسانُ اهتمامًا، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

فهذا النمرود الذي تكبَّر وتَجبَّر في الأرض حتى قال: ﴿ أنا أحيي وأميت ﴾، فأَماته الله ببعوضة ضعيفة، ولكنها جند من جنود الله.

 وفرعون ذي الأوتاد قال: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾، وذلك عندما غره ملكُه وسلطانُه، وتفاخر بذلك قائلاً: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي (٥١) ﴾ [الزخرف]، فحطمه الله بملكه، و أغرقه وأجرى الماء من فوقه؛ لأنَّ مالك الملك فوق كل ملك، وسلطانه فوق كل سلطان.

 يظن هؤلاء أنَّ الإمهالَ إنَّما هو منحة فوق منحة، وعطية فوق عطية، ولم يفقهوا -لغرورهم وتكبرهم- أنَّ ذلك استدراج؛ قال تعالى:﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) ﴾ [الأعراف:].

ويتناسون (أو ينسون) وسط سكرة القوة أنَّ الله ليس بغافل عما يعمل هؤلاء الظالمون، وأنَّ الله يمهل ولا يهمل قال تعالى -: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾ [إبراهيم: 42].

لقد تعطل الفهم، وضَلَّت عقولهم؛ لأَنَّ الإمهال يعقبه الأخذ، والأخذ يكون لعبرة وحكمة؛ قال الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٩٢) ﴾ [هود].

هذه الآيات في العبرة بما في إهلاك الأمم الظَّالمة في الدنيا من موعظة، ويتلوها العبرة بعذاب الآخرة؛ ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى ﴾؛ أي: ذلك الذي قصصناه عليك أيها الرسول -ﷺ- بعضُ أنباء الأمم؛ أي: أهم أخبارها، وأطوار اجتماعها في القرى والمدائن من قوم نوح -عليه السلام- ومن بعدهم – نقصه عليك – في هذا القرآن؛ لتتلوه على الناس، ويتلوه المؤمنون آنًا بعد آن؛ للإنذار به تبليغًا عنا، فهو مقصوص من لدنا بكلامنا، ﴿ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾؛ أي: من تلك القرى ما له بقايا مائلة، وآثار باقية، كالزرع القائم في الأرض، كقرى قوم صالح، ومنها ما عفى ودُرِسَت آثاره، كالزرع المحصود الذي لم يبقَ منه بقية في الأرض، كقرى قوم لوط؛ ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾؛ أي: وما كان إهلاكهم بغير جرم استحقوا به الهلاك، ولكن ظلموا أنفسهم بشركهم وفسادهم في الأرض، وإصرارهم حتى لم يَعُد فيهم بقية من قَبول الحق، وإيثار الخير على الشر؛ بحيث لو بقوا زمنًا آخرَ، لَما ازدادوا إلا ظلمًا وفجورًا وفسادًا، كما قال نوح – عليه السَّلام -: ﴿ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا(٢٧) ﴾ [سورة نوح].

وقد بالغت رسلهم في وَعْظِهم وإرْشادِهم، فما زادهم نُصحهم لهم إلا عنادًا وإصرارًا، وأنذروهم العذاب، فتماروا بالنذر؛ استكبارًا، واتَّكَلُوا على دفع آلهتهم العذاب عنهم إن هو نزل بهم؛ ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾؛ أي: فما نفعتهم آلهتهم التي كانوا يدعونها، ويطلبون منها أنْ تدفع عنهم الضر بنفسها أو بشفاعتها عند الله – تعالى – لما جاء عذابُ ربك تصديقًا لنذر رسله، ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾؛ أي: هلاك وتخسير وتدمير، وهو مِنَ التَّباب؛ أي: الخُسْران، والهلاك.

﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾؛ أي: ومثل ذلك الأخذ بالعذاب، وعلى نحو منه أخذ ربك لأهل القرى في حال تلبسها بالظلم في كل زمان وكل قوم، ﴿ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾؛ أي: وجيع قاسٍ لا هوادةَ فيه، ولا مَفَرَّ منه ولا مناص.

أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – مرفوعًا: «إنَّ الله – سبحانه وتعالى – ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ -ﷺ- هذه الآية»، وهو تصريح بعمومها، ولكن الظالمين قلما يعدون، ولا سيما إذا كانوا مع ظلمهم مَغرورين بدين يتحَلَّون بلقبه، ولا يحسبون حسابًا لإملاء الله – تعالى – واستدراجه.

 ثم خَتَم الله -ﷻ- الآيات بِقَوْله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ﴾؛ هذه عبرة، فهل مِن معتبر؟!