المساكينُ فئةٌ في كل مجتمعِ كثيرًا ما يُغْفَلُ عنهم، ولا يُحْفَلُ بهم، ولا يُؤْبَهُ لهم مع أنَّ الدين قد أقامَ لهم وزنًا، ورفعَ لهم شأنًا؛ كان النبيَّ -ﷺ- كثيرًا ما يَضْرَعُ إلى ربِّه قائلًا :«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المساكين، وَإِذَا أَرَدْتَ فِي الناس فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ» رواه الترمذيُّ.
وكان عليه الصلاة والسلام يوصي بهم أصحابَه وأمَّتَه مِن بَعْدِهم؛ محبةً وأداءً لِحَقِّهم؛ قال أبو ذرٍ -رضي اللهُ عنه-: “أمرني خليلي -ﷺ- بحبِّ المساكينِ، والدُّنُوِّ منهم”.
وكَتَبَ سفيانُ الثوريُّ-رحمه الله- إلى بعضِ إخوانِهِ: “عليكَ بالفقراءِ والمساكينِ والدنوِّ منهمُ؛ فإنَّ رسولَ الله-ﷺ- كانَ يسأل ربَّه حبَّ المساكينِ”.
إن محبةَ المساكينِ طاقةٌ إيمانيةٌ، ومَخْزَنُ رحمةٍ يُحَرِّكُ المرءَ لإسْداءِ النفعِ إليهِم بما يمكنُ مِن منافعِ الدين و الدنيا؛ وذاك يقتضي البحثَ عنهم، وتَلَمَّسَ حاجتِهم؛ لِتُقضى.
فمحبتهم فيضٌ من الخير دفّاقٌ؛ إذ تُوُجِبُ إخلاصَ العملِ للهِ – عزَّ وجلَّ -؛ لأنَّ الإحسانَ إليهم لا يكونُ إلا للَّهِ -عز وجل-؛ إذ نفعهُم في الدنيا لا يُرجَى غالبًا، فأما مَن أَحسنَ إليهم؛ لِيُمْدَحَ بذلكَ فما أَحَسَنَ إليهم حُبًّا لهم، بل حبًّا لأهلِ الدُّنيا.
كما أنّ هذه المحبةَ والمجالسةَ تَنْفِي الكِبْرَ مِن القلب، وتُلْزِمُهُ سكينةَ التواضع وتُوُجِبُ صلاحَ القلب وخشوعِهِ؛ شكى رجلٌ إلى رسول اللَّه -ﷺ- قَسْوةَ قلبهِ، فقال له: «إنْ أحببتَ أن يلينَ قلبُكَ؛ فأَطْعِمِ المسكينَ، وامْسحْ رأسَ اليتيمِ» رواه أحمد.
والمَرْءُ إنْ أحبَّ المساكينَ جالسَهم وأَنِسَ بهم؛ وذاك يُكْسِبُه الرضا برزقِ اللَّهِ -عز وجل-، وتَعْظُمُ عنده نعمةُ اللَّهِ عليهِ؛ بنظرهِ في الدنيا إلى مَن دونَه؛ فتَطِيبُ حياتُه، ويَسْعَدُ بالرزقِ، ولا يمَدَّ العينِ إلى من تمتع بزِينة الحياة الدينا.
كما إن إجابةُ دعواتِ صالحيْ المساكينِ مِن أرجى ما تكونُ إجابتُه، فطوبى لِمَن أحبَّهُ المساكينُ وخَصَّوْهُ بدعائهم، لا سيما في الغَيْبِ!
اللهم نسألك حب المساكين، وان تغفر لنا وترحمنا أجمعين.
