شهدت الأسواق المالية تحولات جذرية على مر العصور، من الصفقات اليدوية في قاعات التداول الصاخبة إلى التداول الإلكتروني فائق السرعة، ومع أدوات الذكاء الاصطناعي (AI)، التي تَعِدُ بإعادة تشكيل كل جانب من جوانبها؛ فلم يَعُدِ مجرد مفهوم، بل أصبحَ واقعًا ملموسًا يُغيّرُ طريقة عمل المصارف (البنوك)، وشركات الاستثمار، وحتى المستثمرين الأفراد؛ فمن تحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالأسعار إلى أتمتة عمليات التداول وإدارة المخاطر، أضحى يتغلغلُ الذكاءُ الاصطناعيُّ في صميم النظام المالي العالمي.

ولكن، مع كل هذه الوعود بالفعالية والكفاءة، يَطرحُ سؤالٌ جوهريٌ: هل يُمثلُ الذكاءُ الاصطناعيُّ إضافة حقيقية للأسواق المالية، أم أنه يحملُ في طياته مخاطر خفية قد تقلبُ الموازينَ وتؤدي إلى عواقب غير متوقعة؟
في الواقع هناك مخاوف منطقية متعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في أسواق الأسهم، لا سيما المفتوح، حيث إنه يعزز فكرة حركة السوق كقطيع، فمع عدم توفير المحددات الصحيحة للذكاء الاصطناعي –أو حتى مع توفيرها أحيانًا- سيقدم نفس الاستشارة لمئات أو آلاف المتعاملين في نفس المسألة.
وبالتالي إذا شهد سهم الشركة ما ارتفاعًا وأثار اهتمام المهتمين بالأسهم وسألوا الذكاء الاصطناعي عنه فمن شأنه مثلا أن يوصي بشراء السهم أو الاحتفاظ به لمالكيه، بما سيفضي بالأخير لارتفاعات قياسية، وإذا بدأ في الانخفاض قد يقود في المقابل لعمليات بيع هلع واسعة تهوي به، وبهذا قد يبدو الأمر كما لو تعامل الجميع مع “سمسار” واحد في سوق الأسهم بما يفضي لتذبذب عنيف أو على الأقل المساهمة فيه.
كما أن اقتراحات أنظمة الذكاء الاصطناعي جاءت متأثرة بـ”معنويات السوق” و”معتقداته” (خاطئة أو صحيحة) بنسبة تفوق 90% حتى الآن، وذلك مع الإقرار أن تلك الدراسات لا تزال في مراحلها الأولى بسبب عدم نضوج الغالبية الكاسحة من أنظمة الذكاء الاصطناعي.
كما أن أخطر ما يتعلق بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التداول أنه يقوم –مثل التحليل الفني- على استقراء الحاضر والمستقبل اعتمادًا على الماضي، ويضع على التحركات الماضية وزنًا نسبيًا عاليًا أكثر مما يضعه على قراءة البيانات أو التحليل الأساسي، وهو ما يضع الاستثمارات ككل موضع مخاطرة للتقلبات السريعة للتداول المعتمد على التحليل الفني.
والشاهد أنه في السوق الأمريكية والأوروبية بدأت تظهر عناوين في الميديا -على سبيل “الذكاء الاصطناعي يتنبأ بـ7 أسهم ستجعلك غنيًا بشكل سريع”- وغالبًا ما ستتبعها بقية الأسواق، ويتم الترويج للأمر بأن استيعاب الذكاء الاصطناعي لكم قياسي من البيانات يهيئ لاتخاذ قرار أفضل من القرار البشري بعيدًا عن “الانفعالات”.
ولكن المؤكد أنه لا يجب “تسليم” الذكاء الاصطناعي مفاتيح القرار الاستثماري، وذلك لخطورة العيوب التي ما زالت خوارزميات أنظمة التحليل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تعاني حتى الآن.
