المال والقوة وسيلتان من وسائل الاستخلاف في الحياة الدنيا، ويُرشِدنا الله تعالى في كتابه الحكيم إلى اتخاذ الأسباب في كسب المال، فيقول سبحانه : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } [ الملك 15].
كذلك القوة، كما قال تعالى في تمكين يوسف -عليه الصلاة والسلام-: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ}، وفي تمكين ذي القرنين: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}،
إذن المال وسيلة والقوة وسيلة يستغلُّهما الإنسان لتحقيق مقاصدَ وأهدافٍ كبرى كـ “الاستخلاف في الأرض” و”التمكين”، ولِنُقَارن بين نظرة نبي الله سليمان -عليه الصلاة والسلام- للمال والقوة ونظرة “قارون”، ومواطن الاتفاق والإختلاف بينهما:
أولاً.. مواطن الاتفاق :
كلاهما رُزِقا المال الوفير؛ سليمان -عليه الصلاة والسلام- : {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: 35-39].
أما قارون، فقال الله تعالى عنه: { …وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ …} [القصص: 76].
مواطن الاختلاف:
اعتبر نبي الله سليمان -عليه الصلاة والسلام- المال والقوة وسيلة وابتلاءً من عند الله تعالى يستوجب وضعُها في المكان المناسب، وهذا من تمام شكر الله تعالى، فهذا الاعتقاد تَولَّدَ عنه سلوكٌ عمليٌّ : {قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } [النمل: 40]؛ استعمال المال والقوَّة في الدعوة إلى عبادة الله وحده، وهذا ما نجده في الحَدَث الذي وقع بينه وملِكة سبأ : {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا} [النمل: 37].
أما قارون فكان من قوم نبي الله موسى -عليه الصلاة والسلام- بغى عليهم، واعتبر المال والقوة غاية أسمى خلق من أجلِها، فولدت هذه النظرة سلوك عمليٌّ متكبر : { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي… }؛ فاستعمل المال والقوة -لأنهم اصبحا غاية- في التكبر والغطرسة على الناس وغوايتهم، كما ذكر قال تعالى: { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ(80﴾} [ سورة القصص].
{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} أي الذين عرفوا حقائق الأشياء من أولي العقول والألباب؛ نظروا إلى باطن الدنيا، وليسوا منجرفين بزينتها الزائفة، حين نظر أولئك إلى ظاهرها وجعلوا وسيلة المال والقوة غاية: { وَيْلَكُمْ } متوجعين مما تمنوا لأنفسهم، راثين لحالهم، منكرين لمقالهم: { ثَوَابُ اللَّهِ } العاجل، من لذة العبادة ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه. والثواب الآجل من الجنة وما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين {خَيْرٌ} من هذا الذي تمنيتم ورغبتم فيه، فهذه حقيقة الأمر، ولكن ما كل من يعلم ذلك يؤثر الأعلى على الأدنى، فما يُلَقَّى ذلك ويوفق له {إِلَّا الصَّابِرُونَ} الذين حبسوا أنفسهم على طاعة اللّه، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وصبروا على جواذب الدنيا وشهواتها، أن تشغلهم عن خالقهم، وأن تحول بينهم وبين ما خلقوا له، فهؤلاء الذين يؤثرون ثواب اللّه على الدنيا الفانية.
لذا المال والقوة عند العقلاء وكرماء النفوس وسيلة لحفظ الكرامة والبناء وتحسين مستوى الحياة وعمل الخير، وليسا غاية تشخص لها الأبصار ويُستَعبَدُ بها الإنسان في الأرض… فأعتبروا يا أولي الأبصار!
