الكذب مِهَواةٌ، الصدق مَنجاةٌ

  • — الثلاثاء أكتوبر 14, 2025

الكذب عملٌ مرذول، وصفةٌ ذميمة، وخَصلة نفاقٍ قبيحة، والكذَّاب مهين النفس، دنيء الصفات، بالغٌ الغاية في الحقارة والخساسة، بعيدُ المدى عن أسباب العزة وسبل الكرامة. والنفوس الأبية العزيزة تأبى الكذب وتأنف منه، فهذا أبو سفيان بن حرب -رضي الله عنه-، وقصته مع هرقل الروم – وكان يومها كافراً – يقول: ” فوالله لولا الحياء في أنْ يأثروا عليَّ كذباً لكذبت عليه ..” والقصة في صحيح البخاري.

ولمَّا حدَّث الامام الزهريُ هشام بن عبدالملك حديثاً فكذَّبه هشام، قال الزهري: ” أنا أكذب لا أبا لك؟ و الله لو نادى منادٍ من السماء : إنَّ الله أحل الكذب ما كذبت.” قال العلاَّمة المعلمي – معلقاً على هذه القصة – : ” وقوله لهشام – وهو الملك- ( لا أبا لك ) جرأةٌ عظيمة .”.

ولا يكذب الكذَّاب إلاَّ من مهانة نفسه وذلتها، وأمَّا الصادق فتأبى عليه نفسه الكريمة، ودينه القويم أنْ يكذب فيسلمَ من تبعات الكذب، وينأى عن ذل الاعتذار، فالمروءة مانعةٌ من الكذب، باعثةٌ على الصدق.

قال محمد بن كعب القُرظي : ” ما يكذب الكذَّاب إلاَّ من مهانة نفسه, وقال الجاحظ : ” لم يكذب أحدٌ قط إلاَّ لصغر قدر نفسه عنده .”.

قال الناظم:

وما شيءٌ إذا فكَّرْتَ فيه … بأذهَبَ للمروءةِ والجَمالِ
من الكَذِبِ الذي لا خَيرَ فيه… وأبعَدَ بالبهاءِ من الرِّجالِ

والكذب جماع كل شرٍّ، وأصل كل ذمٍّ ، فهو من قبائح الذنوب، وفواحش العيوب.

والكذَّاب يقلب الحقائق رأساً على عقب؛ فيُقبِّح الحسن، ويُحسِّن القبيح.

والكذب حينما يتخلَّق به المرء، ويفشو في أي مجتمع فذاك نِتَاجُ تراكم العديد من الأخلاق الذميمة، من رقَّةِ الدين، وهَشَاشةِ التقوى، وقِلةِ الورع، قال الله تعالى :{ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}.

قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- : ” إياكم والكذب، فإنَّ الكذب مجانبٌ للإيمان.”؛ قال الإمام الذهبي -رحمه الله- : ” صدق الصدِّيق. فإنَّ الكذب أُسُّ النفاق، وآية المنافق، والمؤمن يُطبع على المعاصي والذنوب الشهوانية لا على الخيانة والكذب.”، وقال الحسن البصري : ” الكذب جماع النفاق. “.  

وقال ابن حزم الأندلسي -رحمه الله-: ” لا شيء أقبح من الكذب، وما ظنُّك بعيبٍ يكون الكفر نوعاً من أنواعه، فكل كفرٍ كذب، فالكذب جنسٌ، والكفر نوعٌ تحته.

والكذب متولِّدٌ من الجور والجبن والجهل؛ لأنَّ الجبن يُولِّد مهانة النفس، والكذَّاب مهين النفس بعيدٌ عن عزتها المحمودة .”، ” وما أحببت كذَّاباً قط، وإنِّي لأسامح في إخاء كلِّ ذي عيب وإنْ كان عظيماً، وأكل أمره إلى خالقه عز وجل، وآخذ ما ظهر من أخلاقه حاشا من أعلمه يكذب، فهو عندي ماحٍ لكلِّ محاسنه، ومُعفٍ على جميع خصاله، ومُذهبٌ كلَّ ما فيه، فما أرجو عنده خيراً أصلا، وذلك لأنَّ كلَّ ذنبٍ فهو يتوب عنه صاحبه، وكل ذمٍّ فقد يمكن الاستتار به والتوبة منه، حاشا الكذب فلا سبيل إلى الرجعة عنه ولا إلى كتمانه حيث كان.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ” بالصدق في كل الأخبار، والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال، تصلح جميع الأحوال، وهما قرينان كما قال تعالى: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً}”، وقال أيضاً _رحمه الله_: ” الصدق أساس الحسنات وجماعها، والكذب أساس السيئات ونظامها.”.

وقال ابن قيِّم الجوزية -رحمه الله-: ” إيَّاك والكذب فانَّه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه، ويفسد عليك تصويرها وتعليمها للناس، فإنَّ الكاذب يصور المعدوم موجوداً، والموجود معدوماً، والحق باطلاً، والباطل حقاً، والخير شراً، والشر خيراً، فيَفْسُد عليه تصوره وعلمه عقوبةً له.

والله تعالى يعاقب الكذَّاب بأنْ يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأنْ يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما اسُتجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق، ولا مفاسدهما ومضارهما بمثل الكذب.”.

والكذب من أفسد الأخلاق، وشر الأدواء، وهو مراتب، وأخبثه رُتبةً، وأسفله منزلةً، وأسوئه حالاً ما كان بيناً ظاهراً، لا يتأتى لأحدٍ ولو بلغ الغاية من التغفيل أنْ يُصدِّقه، ولكن لمَّا كانت النفوس مجبولةً على التطلع إلى غرائب الأخبار، ونوادر الحوادث، كان ذلك باعثاً لمن هذا حاله ليختلق الأقاويل، وينسج الأباطيل، المرَّة تلو المرَّة، فيكذب الكذبة الصلعاء، ويفتري الفرية البلقاء، بذلاقة لسانٍ، وصفاقة وجهٍ قل أنْ يوجد لها مثيل، فيأتي بالغرائب، ويغرب في العجائب، ويسوق من الأباطيل ما لا يخطر على بال، ولا يدور حوله خيال، فهو كما قال الماوردي: ” يؤثر أنْ يكون حديثه مستعذباً، وكلامه مستظرفاً، فلا يجد صدقاً يعذب، ولا حديثاً يستظرف، فيستحلي الكذب الذي ليست غرائبه مُعوزة، وهذا النوع لا يصدر إلاَّ عن مهانة النفس، ودناءة الهمة.”.

وللكذب وجوهٌ عدةٌ، و دواعٍ متعددة، فمنها :

  1. الكذب على المخالفين؛ تشفِّياً منهم ونكايةً بهم ، ويُلصق به التهم، ويُغري به ذوي السلطان وأرباب الولايات؛ رغبةً في إلحاق الأذى به، وإيقاع كبير الضرر عليه. 
  2. الكذب لاستدرار العطف، وكسب المؤيدين 🙁 فمن الناس ناسٌ يظلّون واقفين على أفواه الطرق، يتلقون السابلة بالصياح والشكوى والتباكي، ويَلِّجون بصنوفٍ من الكلمات، ويتفننون بفنونٍ من الفِرى والكذبات، يستنزلون بها رأفة من يقف عليهم من المارة، ويستجلبون رحمتهم بذلك. 
  3. الإشاعات الكاذبة، والدعايات الفاجرة الباطلة :الإشاعة تضخيمٌ للأخبار الصغيرة، وإظهارها بصورةٍ تختلف عن صورتها الحقيقية، أو تسخير للأخبار المكذوبة وطلاؤها بطلاءٍ براقٍ يلفت إليها الانتباه، لمقاصد فاسدةٍ، ودوافع خبيثةٍ. 
  4. حذف بعض الحقيقة، وتسليط الضوء بصورةٍ تهويليةٍ على البعض الأخر : وهذا الوجه من أخطر وجوه الكذب، وأشدِّها خفاءً، وأكثرها تلبيساً، فالناقل يمنحك صورةً ناقصةً مبتورةً لا تمثل الواقع بتمامه.
  5. الكذب المبني على القاعدة اليهودية “الغاية تبرر الوسيلة”، ومنه الدجل الإعلامي الموظف لتحقيق مآرب سياسية، فيُزِّيف الحقائق، ويُلَّبس على الناس، فيُخرّب الأديان، ويُفسد العقول.
  6. الكذب للإضحاك والتشويق، والكذب للتخلص من المواقف المحرجة أو لتبرير وتسويغ الأخطاء، والمبالغة في المعاريض والتوسع فيها توسعاً مُشينا.

نخلص إلى .. عند مُلازمة الكذب، ومداومة الاتصاف به، يُكتب المرء عند الله كذابا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إيَّاكم والكذب، فإنَّ الكذب يهدي إلى الفُجور، وإنَّ الفُجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابا» (متفقٌ عليه) من حديث ابن مسعود.

وقد قالت الحكماء : “من استحلى رضاع الكذب عسر عليه فطامه!”، “عليك بالصدق؛ فما السيف القاطع في كفِّ الرَّجل الشجاع بأعزَّ من الصدق، والصدق عزٌّ وإنْ كان فيه ما تكره، والكذب ذلٌّ وإنْ كان فيه ما تحب، ومن عُرف بالكذب اتُّهم في الصدق.” وقيل: “الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور.”.

وكذلك الصدق فهو نِتَاجُ عِفَةِ النفس، ونُبلِ المقصد، وسُموِ الخلق، وحينما تترفع النفوس عن أهوائها وشهواتها تنساب عِفةً، وتتألق طهارةً، وعندها لا ترجوا إلا الله والدار الآخرة.

وقديماً قيل: الصدق مَنجاةٌ، والكذب مِهَواةٌ .

نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْكَذِبِ والشقاق والمِرَاءَ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ. آمين