«بشراً رسولا ﷺ»

  • — الخميس سبتمبر 04, 2025

فكرة باطلة سادت أفكار بعض الناس في معنى ” الرسالة المحمدية ” فخلع بعضهم عليها أحياناً بعض أوصاف الألوهية، وأحياناً بعض أوصاف الرهبانية، من مبدأ البعثة إلى اليوم، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحارب هذه الفكرة كما يحارب الكفر والإلحاد ويعلن ويكرر في كل مناسبة أنه ” بشرٌ رسول ” لا ” ملَكٌ رسول “.

من مبدأ البعثة اجتمعت صناديد قريش بمكة فقالوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (لقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلاداً ولا أقل مالاً ولا أشد عيشاً منا، فسل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسيّر عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا، ويبسطْ لنا بلادنا، وليفجرْ فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟! ، فإن لم تفعل فسل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، ولتسأله فيجعل لك جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا، فإن لم تفعل فاتخذ إلى السماء سُلّماً ترقى فيه وتأتي به بنسخة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول) .

فقال صلى الله عليه وسلم :«سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا».

لقد أخطئوا إذ نسوا أنه بشر لا يقدر على الإتيان بهذه الأشياء ولا يستطيع اقتراحها لما فيها من التعنت والتحكم، وليس للرسول-صلى الله عليه وسلم- أن يتحكم على الله فيطلب منه خرق قوانينه التي أدار عليها ملكه .

وخطأ آخر مثله وقع فيه بعض المسلمين إذ خلعوا عليه بعض أوصاف الرهبانية، فقد روي في الحديث أن بعضهم كان يسأل عائشة -رضي الله عنها- : ماذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟ ظانين تبتله! ، فكانت تجيبهم-رضي الله عنها-: أنه يفعل في بيته ما يفعله الرجل الكريم بأهله .

وسألها رجل : ماكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصنع في أهله؟ قالت كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.

وجاء ثلاثة نفر إلى بيوت أزواج النبي -رضوان الله عليهم- فقال أحدهم : إني أصلي الليل أبدا.ً وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر . وقال ثالث : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً .

فقال عليه الصلاة والسلام :« أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .

لقد كان محمد -صلى الله عليه وسلم- إنساناً يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق ويتاجر ويتزوج، ولقد كان رسولاً عرف الله ودعا إليه، اختاره الله ليكون آخر نبي بينه وبين خلقه؛ فله -صلى الله عليه وسلم- جانبه الإنساني؛ فهو يضرب في الأرض يسعى ويكد، وتتوارد عليه العواطف الإنسانية؛ وله جانب روحاني يتصل بربه، ويتلقى الوحي ويبلغه خلقه، يحيا كما يحيا الناس، ويجري عليه-صلى الله عليه وسلم- حكم الموت كما يجري على الناس، ويتصل بالله كما يتصل الرسل، ويؤدي رسالته كما أدَّاها الرسل من قبله، فمن زعم أنه فوق قوانين البشر فقد ضلّ، ومن جحد رسالته فقد كفر.

وهو في أداء رسالته – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – أمين معصوم، وفي إنسانيته يفعل ما يفعل الرجل الكامل، ينشد معالي الأمور ويترفع عن سفاسفها، ويطلب المثل الأعلى، ويتجمل بالمروءة، ويشعر بعظم التبعة، وتطهر نفسه فلا يتصنع، ويفعل في السر ما يفعله بالعلانية، ويملؤه الشعور بأن الله خالقه يراه، وأنه يأمره وينهاه، فيأتي مايأتي من الخير، ويذر ما يذر عن الشر، حباً في الله _ ومن أحب أطاع _ فكان المثل الأعلى للناس في جانبه الإنساني، وجانبه الروحاني، وفي معاملته، وفي بيته، وفي دعوته، وفي عبادته، وفي تضحيته، وفي إخلاصه فصلوات الله وسلامه عليه.

[فيض الخاطر]