من أفصح الكلام وأجمل العبارات مع الله؛ ما قاله ابن الجوزي -رحمه الله-:
“سبحان من أقام من كل موجود دليلا على عزته،
ونصب علم الهدى على باب محبته..
الأكوان كلها تنطق بالدليل على وحدانيته،
وكل موافق ومخالف يمشي تحت مشيئته،
إن رفعت بصر الفكر ترى دائرة الفلك في قبضته،
وتبصر شمس النهار وبدر الدجى يجريان في بحر قدرته،
والكواكب قد اصطفت كالمواكب على مناكب تسخير سطوته،
فمنها رجوم للشياطين ترميهم فترميهم عن حمى حمايته،
ومنها سطور في المهامه يقرؤها المسافر في سفر سفرته.
وإن خفضت البصر رأيت الأرض ممسكة بحكمة حكمته..
كل قطر منها محروس بأطواره عن حركته،
فإذا ضجت عطاشها ثار السحاب من بركة بركته.
ونفخ في صور الرعد لإحياء صور النبات من حضرته،
فيبدو نور النور يهتز طربا بخزامى رحمته ومنها قوله
…
نظر بعين الاختيار إلى آدم، فحظي بسجود ملائكته،
وإلى ابنه شيث فأقامه في منزلته.
وإلى إدريس فاحتال بالهامه على جنته،
وإلى نوح فنجا من الغرق بسفينته،
وإلى هود فعاد على عاد شؤم مخالفته،
وإلى صالح فتمخضت صخرة بناقته،
وإلى إبراهيم فتبختر في حلة خلته،
وإلى إسماعيل فأعان الخليل في بناء كعبته،
وإلى لوط فنجاه وأهله من عشيرته،
وإلى شعيب فأعطاه الفصاحة في خطبته،
وإلى يعقوب فرد حبيبه مع حبيبته،
وإلى يوسف فأراه البرهان في همته.
وإلى موسى، فخطر في ثوب مكالمته،
وإلى داوود، فألان الحديد له على حدته،
وإلى سليمان، فسخّر له الريح يتنقل بها في مملكته،
وإلى أيوب، فيا طوبى لركضته،
وإلى يونس، فسمع نداءه في ظلمته،
وإلى زكريا، فقرن سؤاله ببشارته،
وإلى عيسى، فكم أقام ميتاً من حفرته،
وإلى محمد صل الله عليه وسلم؛
فخصه ليلة المعراج بالقرب من حضرته، والوصول إلى سدرته.
…
وأعرض عن إبليس، فخَزَي ببعده ولعنته،
وعن قابيل، فقلب قلبه إلى معصيته،
وعن النمرود، فقال: أنا أحيي الموتى ببلاهته،
وعن فرعون، فادعى الربوبية على جرأته،
وعن قارون، فخرج على قومه في زينته،
وعن أبي جهل، فشقي مع سعادة أمه وابنه وابنته،
هكذا جري تقـديره ولا اعـتراض على قسمته.
{ وَيُسَبّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلْـٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } [ الرعد : ١٣ ]” انتهى.
[أدب المناجاة.. عند ابن الجوزي من خلال كتابه المدهش].
