«الموت كتاباً مُّؤَجَّلࣰا»

  • — الخميس سبتمبر 25, 2025

قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٥]

ذكر العلامة ابن سعدي -رحمه الله- في تفسير هذه الآية الكريمة: “أخبر تعالى أن النفوس جميعها معلقة بآجالها بإذن الله وقدره وقضائه، فمن حتم عليه بالقدر أن يموت مات ولو بغير سبب، ومن أراد بقاءه فلو وقع من الأسباب كل سبب لم يضره ذلك قبل بلوغ أجله، وذلك أن الله قضاه وقدره وكتبه إلى أجل مسمى إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون.

ثم أخبر تعالى أنه يعطي الناس من ثواب الدنيا والآخرة ما تعلقت به إرادتهم، فقال: ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها﴾، قال الله تعالى: ﴿كلاًّ نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا﴾. ﴿وسنجزي الشاكرين﴾، ولم يذكر جزاءهم ليدل ذلك على كثرته وعظمته، وليعلم أن الجزاء على قدر الشكر قلة وكثرة وحسنًا”.

وقد استنبط العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- من هذه الآية الكريمة عدة فوائد:

أولاُ: أن آجال الأنفس محددة؛ لقوله: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾.

ثانيًا: تسلية أصحاب الرسول ﷺ حين قيل لهم: إن محمدًا قد قُتِل، فأصابهم ما أصابهم من الغم، فقال الله لهم لا يمكن أن يُقتل محمد قبل أجله ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾، إن كان الله قد أنهى أجله فإنه ينتهي، وإن لم ينته أجله بقي إلى الأجل المحدد، فلماذا تجزعون، لماذا تجزعون إذا قيل إن محمدًا قد مات أو قد قُتل، وهذا شيء مؤجل عند الله عز وجل وبإذنه، وما كان مؤجلًا عند الله وبإذنه فإن الإنسان يجب عليه أن يستسلم له ويصبر عليه ويرضى به.

ثالثاً: إثبات أن كل شيء حتى الموت مخلوق لله؛ لقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وما كان صادرًا عن إذن فهو مخلوق، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك ٢].

رابعاً: أنه لا يمكن أن يتقدم الإنسان أو يتأخر عن الأجل الذي قدّره الله له؛ لقوله: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾، ويؤيد هذا آيات، منها قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل ٦١]، ومنها: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون ١١]. فإن قال قائل: يشكل على هذا قول النبي ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، فإن هذا يفيد بأن الإنسان إذا وصل رحمه زيد في عمره؟ فالجواب عن ذلك أن يقال: هذا – أعني مد الأجل – كبسط الرزق، والحديث يقول: «أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ»، والرزق مكتوب؛ فقد بيّن الرسول أن الرزق يُبسط ويوسع إذا وصل الإنسان رحمه، فكذلك الأجل يمدد إذا وصل الإنسان رحمه، ولا فرق.

خامساً: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿مَنْ يُرِدْ﴾، حيث أثبت للإنسان إرادة، والجبرية يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وأنه يفعل بدون اختيار ولا إرادة، ولكن كل النصوص السمعية والعقلية ترد على قولهم.

سادساً: أن الناس لهم مشارب ولكل مسلك؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾، وهو كذلك.

سابعاً: أن الإخبار عن الشيء أو عن وقوع الشيء لا يدل على حِله؛ فقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، لا يدل على حِل إرادة الإنسان الدنيا بعمله، لا يدل عليه، إنما هو خبر عن أمر وقع، والحِل والحرمة يُؤْخَذُ من دليل آخر من الشرع.

ثامناً: أن الإنسان قد يريد بعمله أن يُمدح عند الناس، وهذا لا يكون له من عمله إلا ما ناله من الدنيا فقط – نسأل الله السلامة – يعني مثلًا إنسان يصلي ليقال: مجتهد في العبادة، يقرأ ليقال: قارئ، يتصدق ليقال كريم، يقاتل ليقال: شجاع، وما أشبه ذلك، هذا الذي يريد بعمله الصالح هذه الأمور الدنيوية – لأن كل هذه من أمور الدنيا – ليس له حظ في الآخرة، ليس له حظ، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠].

تاسعاً: إيثار إرادة الآخرة على الدنيا؛ لقوله: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾؛ فإن هذا يدل على أن من أراد الآخرة فإنه من الشاكرين الذين يجزيهم الله عز وجل.

عاشراً: إثبات الجزاء على العمل، وهذا – أعني الجزاء عن العمل – دائر بين أمرين؛ بين عدل وفضل، ويمتنع الأمر الثالث وهو الظلم بالنسبة لله عز وجل، لا عجزًا عنه ولكن لكمال عدله سبحانه وتعالى ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾.

الحادي عشر: الحث على الشكر؛ لأن الإخبار بأن الله يجزي الشاكرين يراد به الحث على الشكر، والشكر قال العلماء: إنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح؛ فبالقلب بحيث يشعر الإنسان بنفسه أن هذه النعمة من الله عز وجل لا من حوله وقوته، أي لا من حول الإنسان وقوته ولكنها بفضل الله، باللسان: يشكر الله، يعني يتحدث بنعمة الله، بلسان الحال وبلسان المقال، فلسان المقال أن يقول: أحمد الله الذي فضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، أحمد الله الذي أعطاني الولد، أحمد الله الذي أعطاني المال، أحمد الله الذي يسّر لي بيتًا، وما أشبه ذلك، وبلسان الحال أن يظهر أثر النعمة على العبد، فإن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يُرى أثر نعمته عليه. انتهى

اللهم اجعلنا من الشاكرين، الذاكرين، الحامدين، ولا تجعلنا من الغافلين. آمين