«الله مطلع على جميع أحوالكم الدينيَّة والدنيويَّة»

  • — الثلاثاء أكتوبر 28, 2025

 
قال الله ﷻ: ﴿وَما تَكونُ في شَأنٍ وَما تَتلو مِنهُ مِن قُرآنٍ وَلا تَعمَلونَ مِن عَمَلٍ إِلّا كُنّا عَلَيكُم شُهودًا إِذ تُفيضونَ فيهِ وَما يَعزُبُ عَن رَبِّكَ مِن مِثقالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصغَرَ مِن ذلِكَ وَلا أَكبَرَ إِلّا في كِتابٍ مُبينٍ (٦١) ﴾ [ سورة يونس ].

لما أطال الله تعالى الكلام في أمر الرسول ﷺ في الآيات التي قبلها، بإيراد الدلائل على فساد مذاهب الكفار، وفي أمره بإيراد الجواب عن شبهاتهم، وفي أمره بتحمل أذاهم، وبالرفق معهم- ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام السلوة والسرور للمطيعين، وتمام الخوف والفزع للمذنبين، وهو كونه سبحانه عالما بعمل كل واحد، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف؛ فإن الإنسان ربما أظهر من نفسه نسكا وطاعة، وزهدا وتقوى، ويكون باطنه مملوءا من الخبث، وربما كان بالعكس من ذلك، فإذا كان الحق سبحانه عالما بما في البواطن، كان ذلك من أعظم أنواع السرور للمطيعين، ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين .

وأيضا لما ذكر الله تعالى جملة من أحوال الكفار ومذاهبهم، والرد عليهم، ومحاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وذكر فضله تعالى على الناس، وأن أكثرهم لا يشكره على فضله- ذكر تعالى اطلاعه على أحوالهم وحال الرسول معهم في مجاهدته لهم، وتلاوة القرآن عليهم، وأنه تعالى عالم بجميع أعمالهم، واستطرد من ذلك إلى ذكر أولياء الله تعالى، ليظهر التفاوت بين الفريقين؛ فريق الشيطان وفريق الرحمن .

ولما ذكر الله تعالى عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، وبكون أكثرهم لا يشكرونه كما يجب عليهم- عطف على ذلك تذكيره لهم بإحاطة علمه بشؤونهم وأعمالهم كلها؛ صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها، وبكل ما في العوالم علويها وسفليها؛ ليحاسبوا أنفسهم على تقصيرهم في ذكره وشكره وعبادته .

﴿وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه﴾.
أي: وما تكون- يا محمد – في أي عمل من الأعمال، وما تتلو من سورة من القرآن، ولا تعملون- أيها الناس- من عمل صغير أو كبير، من خير أو شر، إلا والله مطلع عليكم حين تأخذون فيه، وتقومون به .

﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾.
أي: وما يغيب عن ربك- يا محمد- وزن نملة صغيرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فلا يخفى عليه سبحانه أصغر الأشياء، وإن خف في الوزن كل الخفة، ولا أكبرها وإن عظم وثقل وزنه، وكل ذلك في لوح محفوظ، مكتوب فيه كل شيء قد أحاط به علمُه وجرى به قلمُه.

يقول العلامة ابن سعدي -رحمه الله-: “وهاتان المرتبتان من مراتب القضاء والقدر كثيرًا ما يُقرِنُ الله بينهما، وهما العلم المحيط بجميع الأشياء وكتابته المحيطة بجميع الحوادث؛ كقوله تعالى: ﴿ألم تَعْلَمْ أنَّ الله يعلمُ ما في السماء والأرض إنَّ ذلك في كتابٍ إنَّ ذلك على الله يسيرٌ﴾.