| عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين |

  • — الخميس نوفمبر 06, 2025

ختم الإمام ابن القيم -رحمه الله- كتابه «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين» بهذه الخاتمة الجليلة النافعة.. وما أشد حاجتنا لتأملها والانتفاع بما جاء فيها!

(خاتمة)

يا من عزم على السفر إلى اللَّه والدار الآخرة، قد رُفع لك علم فشمّر إليه فقد أمكن التّشمير، واجعل سيرك بين مطالعة منّته ومشاهدة عيب النفس والعمل والتقصير، فما أبقى مشهد النعمة والذنب للعارف من حسنة يقول: هذه منجيتي من عذاب السعير، ما المعوّل إلا على عفوه ومغفرته فكل أحد إليهما فقير، أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي [فاغفر لي]، أنا المذنب المسكين وأنت الرحيم الغفور.

ما تساوي أعمالك -لو سلمت مما يبطلها- أدنى نعمة من نعمه عليك، وأنت مرتهن بشكرها من حين أرسل بها إليك، فهل رعيتها باللَّه حقّ رعايتها وهي في تصريفك وطوع يديك؟ فتعلق بحبل الرجاء وادخل من باب التوبة والعمل الصالح ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [سورة فاطر: ٣٠].

نهج للعبد طريق النجاة وفتح له أبوابها، وعرّفه طرق تحصيل السعادة وأعطاه أسبابها، وحذّره من وبال معصيته، وأشهده في نفسه وفي غيره شؤمها وعقابها، وقال: إن أطعتَ فبفضلي وأنا أشكر، وإن عصيت فبقضائي وأنا أغفر، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [ سورة فاطر: ٣٤].

أزاح عن العبد العلل، وأمره أن يستعيذ به من العجز والكسل، ووعده أن يشكر له القليل من العمل، ويغفر له الكثير من الزلل ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

أعطاه ما يشكره عليه، ثم شكره على إحسانه إلى نفسه لا على إحسانه إليه، ووعده على إحسانه لنفسه أن يحسن جزاءه ويقرّبه لديه، وأن يغفر له خطاياه إذا تاب منها ولا يفضحه بين يديه، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

وثقت بعفوه هفوات المذنبين فوسعها، وعكفت بكرمه آمال المحسنين فما قطع طمعها، وخرقت السبعَ الطباق دعواتُ التائبين والسائلين فسمعها، ووسع الخلائق عفوه ومغفرته ورزقه، فما من دابة في الأرض إلا على اللَّه رزقها، ويعلم مستقزها ومستودعها، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

يجود على عبيده بالنوال قبل السؤال، ويُعطي سائله ومؤمليه فوق ما تعلّقت به منهم الآمال، ويغفر لمن تاب إليه ولو بلغت ذنوبه عدد الأمواج والحصى والتراب والرمال، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأفرح بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا وجدها، وأشكر للقليل من جميع خلقه فمن تقرّب إليه بمثقال ذرّة من الخير شكرها وحمدها، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

تعرّف إلى عباده بأوصافه وأسمائه، وتحبّب إليهم بحلمه وآلائه، ولم تمنعه معاصيهم أن جاد عليهم بآلائه، ووعد من تاب إليه وأحسن طاعته بمغفرة ذنوبه يوم لقائه، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

السعادة كلها في طاعته، والأرباح كلها في معاملته، والمحن والبلايا كلها في معصيته ومخالفته، فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمّن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

يطاع فيشكر وطاعته من توفيقه وفضله، ويعصى فيحلم ومعصية العبد من ظلمه وجهله، ويتوب إليه فاعل القبيح فيغفر له، حتى كأنه لم يكن قط من أهله، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

الحسنة عنده بعشرة أمثالها أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان، والسيّئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران، وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السماوات والأرض إلى آخر الزمان، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

بابه الكريم مناخ الآمال ومحطُّ الأوزار، وسماء عطاياه لا تقلع عن الغيث بل هي مدرار، ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سَحَّاء الليل والنهار، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

لا يُلقى وصاياه إلا الصابرون، ولا يفوز بعطاياه إلا الشاكرون، ولا يهلك عليه إلا الهالكون، ولا يشقى بعذابه إلا المتمرّدون، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

فإياك أيها المتمرد أن يأخذك على غرّة فإنه غيور، وإذا أقمت على معصيته وهو يمدّك بنعمته فاحذره فإنه لم يهملك لكنه صبور، وبشراك أيها المحسن التائب بمغفرته ورحمته، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

ومن علم أن الرب شكور تنوع في معاملته، ومن عرف أنه واسع المغفرة تعلق بأذيال مغفرته، ومن علم أن رحمته سبقت غضبه لم ييأس من رحمته، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

روى البخاري في “صحيحه”، ومسلم في “صحيحه”، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: “لما خلق اللَّه الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي”.

من تعلق بصفة من صفاته أخذت بيده حتى تدخله عليه، ومن سار إليه بأسمائه الحسنى وصل إليه، ومن أحبه أحب أسماءه وصفاته، وكانت آثر شيء لديه.

حياة القلوب في معرفته ومحبته، وكمال الجوارح في التقرّب إليه بطاعته، والقيام بخدمته، والألسنة في ذكره والثناء عليه بأوصاف مدحته، فأهل شكره أهل زيادته، وأهل ذكره أهل مجالسته، وأهل طاعته أهل كرامته، وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته، إن تابوا فهو حبيبهم، وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهِم بأنواع المصائب، ليكفّر عنهم الخطايا ويطهرهم من المعايب، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.

فالحمد للَّه رب العالمين، حمدَا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، حمدًا يملأ السماوات والأرض وما بينهما، وما شاء ربنا من شيء بعد، بمجامع محامده كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، على نِعَمِه كلِّها ما عَلمنا منها وما لم نعلم، عدد ما حمده الحامدون، وغَفل عن ذكره الغافلون، وعدد ما جرى به قلمُه، وأحصاه كتابُه، وأحاط به علمه.

وصلى اللَّه على عبده ورسوله محمد نبي الرحمة وإمام المتقين وقائد الخير، وسلم تسليمًا كثيرًا، وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل.

وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب الذي أخذ بمجامع أولي الألباب. ووصل إلى نهج كل عبد أواب، وسيوفدهم مع صاحبه إلى دار المآب، بالفتاح العليم الوهاب، على يد الفقير إلى رحمة ربه النازلة بالسحاب، محمد بن محمد بن محمد القرشي الباهي ، غفر اللَّه له ولوالديه ولإخوانه في اللَّه ولأقاربه، ولمن أحسن إليه ولمن أساء إليه، ولجميع المسلمين والمسلمات، وصفّى ضمائر قلوبنا من جميع الكدر والآفات، في يوم الجمعة بعد صلاتها في ثامن عشر من شوال سنة سبعين وسبعمائة، أحسن اللَّه تقضيها وبقية العمر ساجدًا وعابدًا بلا محنة.

ابن القيم الجوزية (ت. 751 / 1350).