«تَصَدَّقَ وأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ»

  • — السبت نوفمبر 08, 2025

جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قالَ ﷺ:«أَنْ تَصَدَّقَ وأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ، وتَأْمُلُ الغِنَى، ولَا تُمْهِلُ حتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، ولِفُلَانٍ كَذَا وقدْ كانَ لِفُلَانٍ» صحيح البخاري.

لقد كان النبي -ﷺ- يربي صحابته على الفضيلة والسخاء والتكافل فيما بينهم، والإسراع بالعمل الصالح من الصدقات والتطوع قبل أن يأتيهم الموت.

وفي هذا الحديث الشريف يروي أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رجلا جاء إلى النبي-ﷺ- فسأله: أي الصدقة أعظم أجرا وأكثر نفعا لصاحبها؟ فأخبره النبي-ﷺ- أنه ما يتصدق بها الإنسان وهو صحيح ليس فيه مرض أو علة تقطع أمله في الحياة، وهو وقت يصادف من يكون من شأنه الشح ( البخل مع الحرص)، ويخاف من الوقوع في الفقر، ويأمل الغنى ويرجوه ويطمع فيه لنفسه، وهذا في فترة الحياة كلها، وخاصة وقت الرغد والنعيم، فيكون الإنسان أكثر حرصا، فإذا تصدق مع كل هذه الموانع والمغريات التي تحثه على حفظ المال فذلك أعظم أجرا، ثم حذره النبي -ﷺ- من آفة تصيب كثيرا من الناس، وذلك بأن ينتظر ويتمهل ويؤخر التصدق، حتى إذا بلغت روحه الحلقوم، وشعر بقرب الموت، وتأكد أن المال لن ينفعه، وأنه سيتركه- أوصى لفلان بكذا، ولفلان بكذا، وأخبر أنه قد كان لفلان من الديون أو الحقوق، وقد أصبح المال ملكا للورثة، فهذا أقل أجرا.

لقد بين لنا النبي -ﷺ- أن أفضل الصدقة أن تتصدق حال حياتك وصحتك، مع احتياجك إلى المال واختصاصك به، لا في حال سقمك وسياق موتك؛ لأن المال حينئذ خرج عنك وتعلق بغيرك.
وفي الحديث: فضل صدقة الشحيح الصحيح، والتحذير من التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل، واشتغالا بطول الأمل.
وفيه: أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سمة البخل، وأن أعمال البر كلها إذا صعبت كان أجرها أعظم.
وأن الصدقة في وقت صحة الإنسان وسلامته أفضل من الوصية.

والله تعالى هو الأعلم.