[(أثر معرفة الله الحق وقيوميته وتدبيره وحكمته ورحمته ولطفه في التعامل مع الأحداث والنوازل)]

  • — الإثنين ديسمبر 15, 2025

مع ضخامة الحوادث والنوازل وتسارعها ومفاجآتها كل يوم بأمر جديد، حتى ينسيه ما قبلها، وينصرف البعض إلى ربطها بالأسباب المادية، دون ربطها بالله الحق؛ مصرف الكون، وقيوميته وتدبيره وحكمته ورحمته ولطفه.

يقول الله ﷻ: { قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝
 فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ۝
 كَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ۝
 قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ۝
 قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ۝
 وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ (۝} [ سورة يونس 13-36].

هذه الآيات الكريمات هي من الوضوح والجلاء بحيث لا تحتاج إلى مزيد من شرح وبيان، فقد ورد ذكر كلمة «الحق» في هذه الآيات خمس مرات في مقابل الظن والتخبط والتيه في شعاب الضلال.

وكما جاء في صدر هذه الآيات بعض الصفات والأفعال التي اختص الله سبحانه بها دون خلقه والتي اقتضت أن يكون له سبحانه الملك كله، والحكم كله، والتدبير كله، وله الحمد على ذلك كله.

إن هذه المسلمات والمحكمات قد تغيب اليوم عن الكثيرين في زحمة الأحداث والمفاجآت وما يصاحبها من تلبيس وتضليل يمارسه شياطين الإنس والجن فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ليصرفوا الناس عن مصدر نجاتها وهدايتها؛ الاستسلام لله وحده.

إن ربط الأحداث بأسباب مادية وتحليلات هوائية فيه إيهام للناس بأن أعداء الله من البشر هم المتحكمين والمتصرفين فيها، وقد خلعوا عليهم -عن قصد أو غير قصد- بعض صفات الربوبية من القدرة والقوة والتدبير، بل لا بد من الرضا بالواقع والاستسلام له {إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

والمقصود أن من عرف ربه سبحانه بأنه الرب العزيز الرحيم الحي القيوم الحكيم العليم لم يلتفت إلى غيره، ولم يبق فيه إلا الحي القيوم المدبر، الذي لا يوجد شيء ولا تنزل نازلة إلا بإذنه وحكمته، فله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد، ولا يحدث الخلق شيئاً إلا بإذنه، وإذا استقرت هذه المعاني والأعمال في قلب المؤمن غاب خوف المخلوق عنه، واستولى الخوف من الله وحده، وغاب التعلق بالأسباب وبالمخاليق الضعاف، وتمكن التوكل على الله وحده في القلب مع أخذه للأسباب تعبداً لله عز وجل الذي هو مسبب الأسباب.

قال الله عز وجل: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 14]، وقال سبحانه: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْـحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الرعد: 19].

غياب هذه المعاني والأعمال القلبية عن القلوب وهي تتعرض للأحداث والنوازل المتسارعة والمكر الكبار من أعداء الله هو الذي يؤدي إلى الخوف من الخلق الضعفاء أو التعلق بهم ورجاء ثوابهم والخوف من عقابهم، لأنه قد اضطربت موازينهم ومواقفهم وأحكامهم وسيطرت عليها التفسيرات المادية والتحليلات السياسية المقطوعة عن الله -عز وجل- وقيوميته وحكمته وعزته ورحمته، فلا تسأل بعد ذلك عن الضياع والحيرة والتخبط والاضطراب،

وإن من الإيمان معرفة الله الفرد الصمد، بانه الرب الحق القيوم الحكيم العليم العزيز الرحيم، والهداية إليه وتوحيده والانقياد له، ونحاكم إليه ونفسر به كل ما يقدر الله -عز وجل- وربط الأحداث والنوازل في ملكه العظيم، وما يدبره -جل وعلا- من خلق وأمر وآثارها في النفوس والآفاق؛ فالخلق خلقه والأمر أمره ولا حول ولا قوة إلا به جل جلاله وعظم سلطانه.

اللهم اجعلنا من عبادك المستسلمين لك بالتوحيد؛ مذعنين ومنقادين وخاضعين لربوبيتك وألوهيتك وأسماءك وصفاتك.. آمين