اندفاع بعض المؤسسات إلى استبدال البشر سعياً وراء مكاسب اقتصادية سريعة هو نظرة ضيقة تتجاهل القيمة غير الملموسة التي يضيفها العنصر البشري، وتتسبب في النهاية في تزايد حالات الإخفاق في تحقيق المتوقع، فيما يعرف باسم مغالطة البواب (Doorman Fallacy).
يشرح خبير الاقتصاد السلوكي وعلم نفس المستهلك، “روري ساذرلاند Rory Sutherland” في لقاء خاص “مغالطة البواب” باعتبارها استراتيجية تبدو منطقية لتقليل التكاليف لكنها تفشل في النهاية لأنها تتجاهل القيم غير القابلة للقياس، فيقول : “لنفترض أن لديك فندقًا، وفيه بواب يستقبل النزلاء. ستأتي شركة استشارية مثل “ماكينزي أو أكسنتشر”، وتقول: “يكلفك البواب حاليًا مبلغًا قدره (س) ألف دولار سنويًا؛ وظيفته فتح الباب، استبدله بآلية فتح أبواب أوتوماتيكية، وكاشف بشري يعمل بالأشعة تحت الحمراء، وسيوفر لك ما بين 30 و40 ألف دولار سنويًا.”؛ وبعد أن ينصرف المكتب الاستشاري، وينسب لنفسها الفضل في توفير التكاليف، يتحول الوضع بعد سنتين في الفندق إلى مشكلة كبيرة… لأن البواب في الواقع كان يقوم بمهام متعددة، كثير منها ما هو بشري وغير مباشر؛ منها تعزيز الأمن؛ فلا وجود للمتسكعين والمتشردين النائمين عند المدخل. استدعاء سيارات الأجرة، والتعامل مع الأمتعة، والتعرف على النزلاء، وإضفاء قيمة مميزة على الفندق – هناك العديد من عناصر خلق القيمة التي يقوم بها توظيف “رجل الباب” والتي لا يقتصر دوره على مجرد فتح الباب”.
وخارج نطاق الفنادق هناك وظائف بشرية أخرى عملية -على سبيل المثال لا الحصر- :
- موظفو الاستقبال: لا يقتصر دورهم على حجز المواعيد فحسب، بل يشمل تهدئة الأعصاب، وتوفير الراحة، وإدارة توقعات المرضى.
- موظفو المبيعات: يتجاوز دورهم مجرد مسح المنتجات، ليشمل تقديم مساعدة شخصية، وبناء علاقات، وتحسين تجربة التسوق.
- موظفو خدمة العملاء: الانتقال من مجرد اتباع النصوص إلى حل المشكلات فعليًا، وتقديم الدعم العاطفي، وهو ما يواجه الذكاء الاصطناعي صعوبة فيه.من السهل رؤية الأمور الظاهرة، لكن الأمور الخفية هي التي تصنع الفرق”.
من السهل الرؤية الظاهرية، لكن الأمور الخفية هي التي تصنع الفرق، وهذا -غالباً- ناجم عن ثقافة استشارية ضيقة الأفق مهووسة بالمقاييس والمؤشرات، يخلط بين خفض التكاليف وخلق القيمة؛ يتجاهل حاجة النفس البشرية إلى التقدير والأمان، ويُغفل الترابط الاجتماعي للتفاعلات الضمنية، ويتجاهل الحقيقة الاقتصادية القائلة بأن القيمة المُدركة غالبًا ما تفوق التكلفة الاسمية. وبالتالي اختزال الدور إلى وظيفة آلية واحدة؛ فيُزيل رأس المال البشري غير الملموس – كاللباقة واليقظة وبناء العلاقات – الذي يُحافظ على استدامة المؤسسة!!!
إن مفهوم النظر إلى الدور من خلال وظيفته الأساسية القابلة للأتمتة فقط (مثل موظف فتح الباب)، يؤدي إلى القيمة المفقودة بإغفال جوانب جوهرية غير قابلة للقياس الكمي، مثل الدفء والأمان والمعرفة المحلية وفهم العملاء والإشارة إلى الحالة، و النتيجة هي استبدال البشر بالتقنية (مثل الأبواب الأوتوماتيكية) لخفض التكاليف، ليجد المرء نفسه في نهاية المطاف أمام انخفاض في رضا العملاء والجودة المتصورة، بل وحتى الإيرادات.
هذا القصور الفلسفي في إدراك أن أهم عناصر أي نظام هي غالبًا العناصر غير المرئية وغير القابلة للقياس الكمي، والتي تُبني الثقة والتماسك، والتي لا يُمكن لأي خوارزمية خرقاء محاكاتها.
شاهد اللقاء الكامل لتتعرف على كيفية تأثير مغالطة البواب على عملك: يُسلّط “شين” الضوء ببراعة على خللٍ جوهري في الإدارة في سياق استخدام الذكاء الاصطناعي [EN]
