سجَّل القرآن الكريم حوارًا بين موسى – عليه السَّلام – وفرْعون الذي حاول بكلِّ وسيلةٍ أن يخرج من حوار الفكْرة إلى اتِّهام الشخص، ولكن نبي الله موسى – عليه الصلاة والسلام – كان في كلِّ مرَّة يُعيد الحوارَ إلى الفِكْرة الأساسية، وأن يتجاوز محاولات “الشَّخصنة والكيد الفرعوني”.
لقد جاء موسى وأخيه هارون -عليهم الصلاة والسلام- إلى فرعون برسالة واضحة وطلب صريح : {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 16، 17].
ورغم أنَّ فرعون كان يضطهد بني إسرائيل ويعذِّبُهم، ورغم أنَّ موسى لم يطلُب منه لا ملكًا ولا سيادةً ولا إعطاء النَّاس حقوقهم، بل فقط أن يَسمح لهم بالخروج من هذه الأرض، إلاَّ أنَّ فرعون ترك مضمون الرسالة، وقال مهاجمًا موسى : {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الشعراء: 18، 19].
فكانت هذه أولى مُحاولات “شخصنة الموضوع”؛ الحقيقية أنَّ موسى -عليه الصلاة والسلام- فعلاً ارتكَبَ خطاء (ذنب) في حياته السَّابقة، وقد وضع في مأزق الفضل، كما وضع في مأزق “البدعة”؛ فلقد لبِث سنين من قبل دون أن تخطُر له هذه “الأفكار الدخيلة”.
فكان أن دافع موسى عن نفسه دفاعًا بليغًا وقصيرًا، ولم يُنْه جملتَه حتَّى عاد بالحوار إلى موضوع الرِّسالة: صحيح أني فعلت هذا حين كنت ضالاًّ – ولستُ كافرًا أو جاحدًا – ولهذا هربت خائفًا لعلمي بأنَّه لا عدل في الحكم؛ {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} [الشعراء: 20، 21].
ولكنَّه لم يتوقَّف أبدًا بل عاد بالحوار إلى المضمون: وبعدها وهب لي ربِّي حكمًا وجعلني من المرسلين، لكن هل هذه نعمة تتفضَّل بها عليَّ يا فرعون، وما حدث إلاَّ لاضطهادك بني إسرائيل الَّذي جعل أمي تُلقيني صغيرًا في النَّهر، ثم جعلني أهرب خائفًا من الظلم؟! {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 21، 22].
فاضطرَّ فرعون أن يعود إلى الرسالة وقفز على اضطِهاده لبني إسرائيل، وسأل عمَّا ظنَّ أنَّه يُمكن أن يجادل فيه؛ { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23].
فأعطاه موسى جوابًا واضحًا عمليًّا ، ولم يحاول تقديم “تعريف نظري”، أو أن يصِف الله بما يمكن أن يدَّعيه فرعون؛ {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 24].
وحاول فرعون – بلهجة ساخرة – ترْك حوار الفكرة والرسالة والاستعانة بمَن حوله؛ {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 25]، فلم يمهل موسى أحدًا؛ بل زاد في وصْف الله بما لا يُمكن أن يدَّعيه لا فرعون ولا أحدُهم: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 26].
فعاد فرعون إلى “شخصنة” الحوار واتِّهام موسى: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27] ولكن موسى لا يدافع عن نفسِه الآن، ولا يلتفِت لهذه المحاولة بل يستمر؛ {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 28].
وهنا لم يعُد أمام فرعون إلاَّ أن ينهي الحوار، وينتقِل من قوَّة المنطق إلى منطق القوَّة؛ {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29]، فتأخذ الرسالة مرحلةً أُخرى، وهي مرحلة التَّحدِّي بالمعجزات والدخول في المواجهة.
إنَّ معايشة هذا الحوار، وكيد فرعون [وملأه] في إصْراره على مهاجمة الشَّخص والتشويه الذي يصِل إلى استعمال كلِّ الوسائل الدنيئة، حتَّى التَّعيير كاستِهْزاء فرعون بثقل لسان موسى – عليه السلام – وقلَّة فصاحته، حين نادى في قومه: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}؛ وإنْ كان أهل الباطل ممن يتبع منهج الشخصنة الفرعونية مباشرةً أو عبر ما توحيه إليهم {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}.
وهكذا نرى أن الكيدَ الفرعونيَّ في اتِّهام الخصوم وإفراغ دعوتهم للحق التي لا يقدر على مواجهةِ قرائن الحقِّ وبراهينه، التي فيها بالحجة المنطقيَّة والبرهان العقلي – تتجسَّد في سياسة ممنهجةٍ تقع في شقَّيْنِ:
الأول: ربطُ القضيَّة بأساس يستند إلى الأشخاص (الشَّخْصنة)، وصرفها عن عالَم الأفكار؛ لسهولة اتِّهام الأشخاص، وتوليد الشكِّ لدى الناس تِجاههم من جهةٍ، ولصعوبة المحاجَّة في الأفكار خاصة إن كانت رصينةً تستند إلى الحقِّ والمنطق من جهة أخرى، وسواء ذلك أكانَ بالاتهام لشخص المرء ذاته أم لانتمائه الدينيِّ أو العرقي.
الثاني: نسجُ حكاية موازية، تَصرِفُ الناسَ عن القصة الأساسيَّة، وتستند إلى تشتيت الناس، وتضييق الدائرة حول أنصار دعوة الحق، وجعلهم قلَّة من الناس مميزين عن المحيط، واتِّهامهم في فئتهم بتهمٍ ينفر منها الآخرون؛ وذلك لقطع الطريقِ على أي شخصٍ يمكن أن يفكِّر في الانضمام إلى أفكارهم، ودعوة الحق التي يحملونها، وسيُناصِرها بالتأكيد ملَأ الفرعون وأتباعه، ويُضخِّمون ما افترضَتْه واتهمت به عباد الله المؤمنين، ومن ثَمَّ ستصبح مِثلُ الرسالة الربانية -وفقَ هذه السياسة- في طيِّ الشك والنسيان؛ ينسى الناس فيها أصل القضيَّة الأساسية، ويهتمُّون بالقضية الثانوية المفتعلة.
الفائدة.. إن قصص الأنبياء والرسل (عليهم الصلاة والسلام) في القرآن الكريم فيها كل ما هو كافِ وشافِ لأهل الحقِّ كي يستفيدوا مما جاء فيها من حوارات وأساليب في التعامل مع الشخصنة والكيد الفرعونية (كقصة موسى عليه الصلاة والسلام)؛ فهي مصدر هداية وعبر وتثبيت إيماني، تُبيّن سنن الله في الخلق، وتُعلّم الصبر والتوحيد، وتُحذر من البغي والظلم، وتُظهر قدرة الله المطلقة وعاقبة الطائعين والعاصين.
