«عُقلاء المجانين ومجانين العقلاء»

  • — السبت يناير 03, 2026

العقل والجنون أمران نسبيَّان، وتختلف صغرًا وكبرًا؛ وأحياناً تتقارب جدًّا، ويكاد يتساوى عقلاء المجانين بمجانين العقلاء. ومن حسن الحظ أن كل مجنون يعدُّ نفسه العاقل بل مثال العقل، ويهد ما خالف نموذجه جنونًا، وكلما بعد إنسان عن نموذجه كان أشد إمعانًا في رميه بالجنون.

وفي هذه القصيدة للشاعر عبدالعزيز صبري الخياري (رحمه الله) يعبّر عن الدهشة ممن يزعم امتلاك العقل، بينما أفعاله غريبة ومنكرة لدرجة أنها تبدو جنونية عند العقلاء، مشيراً إلى أن “العقل” ليس مجرد ادعاء بل يُعرف بالأفعال، وأن سلوكيات “العاقل” إذا كانت مناقضة للمعقول فهي تثير السخرية وتُنسب للجنون، وهذا يعكس فكرة أن الحكمة تظهر في السلوك لا الكلام، ويُنسب هذا المعنى لمقولات عن “بهلول المجنون” حيث يُفهم جنون المجانين في سياق حكمة خفية، بينما “عقل” البعض يظهر جنونًا.

يقول الشاعر:

عجبت لمن بالعقل في الناس ينسب ..

واعماله عند المجانين تصعبُ

وتقييد مجنونٍ حريص عجيبةٌ ..

واطلاق ذي العقل المبذر اعجبُ

لقد كان في روما طبيب مبرزُ ..

يعالج أمراض الجنون مجربُ

يورط في حوض من الوحل غامرٍ ..

مجانينه حتى يفيقوا ويسغبوا

فيوماً رأى ذا جنةٍ منهم صحــــا..

وابدى اشارات الاغاثة يطلبُ

فرق له بعد التمعن قلبـــــه ..

واطلقه في الروض والروض ارحب

واذ ذلك المجنون بالباب واقف ..

يجول بطرف في الفضاء ويرقب

تبدى له صياد لهو ونزهــــــة ..

وكل معدات السياحة يصحب

فقال له المجنون مهلاً أسيدي ..

لدي سؤال في جوابك ارغبُ

فما هذه الاشياء ينفع جمعها ..

وكل الذي من حول ركبك يجلبُ

فقال له الصياد غب وقوفـــــه ..

مراعي اضرابٍ من الشرح تسهبُ

فاما الجياد الصافنات التي ترى ..

فتسرع اثر الصيد ركضاً وتدأبُ

واما الذي في قبضتي فهو باشقٌ ..

لصيد الطيور الصادحات مدرب

وهذا السلوقي ثم يجمع صيدنا ..

مطاردة من كل صوب يصوّب

فقال له المجنون احسنت بالذي ..

شرحت ولكن كم من الصيد تكسبُ

وكم قدروا أثمانهُ عند بيعـــــــه ..

مدى العام مما في حسابك يحسب

فقال له الصياد بعد تفكـــــــرٍ ..

لخمسون ديناراً إلى الحق اقرب

فقال وما مقدار ما في سبيله ..

نثرت على تلك المعدات يكتب

فقال له اضعاف اضعاف مثلها ..

لاني غنيٌّ بالدنانير ألعبُ

فقال له المجنون يا صاحبي كفى ..

وانصت لنصحي فالتدبر أنجبُ

وحاذر تجارب الطبيب فانني ..

لفعل امور تافهات اعذبُ

يورطني في الحوض غمساً مكرراً ..

إلى عنقي منه إلى الرشد أضرب

ولو كان يدري سوء تدبيرك الذي ..

بذرت به الاموال فالخطب أصعب

فدعني فما تعذيب مثلك عندنا ..

سوى غمسه للرأس وهو مغيبُ

وسر وابتعد عني بنفسك ناجياً ..

فخيرٌ لدفع الشر انك تهـــــرب

وقس على ذلك؛ كم من “مجانين العقلاء” المبذرين حولنا؟!

ربما «مجانين العقلاء» وضعوا «عُقلاء المجانين» في المصحة؛ لأن « مجانين العقلاء» لديهم سلطة وأقوى، وربما لو كانت القوة والسلطة في صف «عُقلاء المجانين لوضعوا «مجانين العقلاء» في المصحة!

ولله في خلقه شئون.