الفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ

  • — الخميس يناير 01, 2026

قال الله ﷻ: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنتُمُ الفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَميدُ﴾ [فاطر: ١٥].

يخاطبُ تعالى جميع الناس، ويخبِرُهم بحالِهم ووصفِهم، وأنهم فقراءُ إلى الله من جميع الوجوه: فقراءُ في إيجادِهم؛ فلولا إيجادُه إيَّاهم لم يوجدوا، فقراء في إعدادِهم بالقُوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعدادُه إيَّاهم بها؛ لما استعدُّوا لأيِّ عمل كان، فقراء في إمدادِهم بالأقواتِ والأرزاقِ والنعم الظاهرةِ والباطنة؛ فلولا فضلُه وإحسانُه وتيسيرُه الأمور، لما حصل لهم من الرزقِ والنعم شيءٌ، فقراءُ في صرف النقم عنهم ودفع المكارِهِ وإزالة الكروب والشدائدِ؛ فلولا دفعُه عنهم وتفريجُه لكُرُباتهم وإزالتُهُ لعسرِهِم؛ لاستمرَّتْ عليهم المكارهُ والشدائدُ، فقراءُ إليه في تربيتهم بأنواع التربية وأجناس التدبير، فقراء إليه في تألُّههم له وحُبِّهم له وتعبُّدهم وإخلاص العبادة له تعالى؛ فلو لم يوفِّقْهم لذلك؛ لهلكوا وفسدتْ أرواحُهم وقلوبُهم وأحوالُهم، فقراءُ إليه في تعليمهم ما لا يعلمون وعملهم بما يُصْلِحُهم؛ فلولا تعليمُه؛ لم يتعلَّموا، ولولا توفيقُه؛ لم يَصْلُحوا؛ فهم فقراء بالذات إليه بكلِّ معنى وبكل اعتبارٍ، سواء شعروا ببعض أنواع الفقرِ أم لم يشعُروا، ولكنَّ الموفَّق منهم الذي لا يزال يشاهدُ فَقْرَه في كل حال من أمورِ دينه ودنياه، ويتضرَّعُ له ويسألُه أنْ لا يَكِلَه إلى نفسِهِ طرفةَ عين وأنْ يعينَه على جميع أمورِهِ، ويستصحبُ هذا المعنى في كلِّ وقتٍ؛ فهذا حريٌّ بالإعانة التامَّة من ربِّه وإلهه الذي هو أرحمُ به من الوالدةِ بولدها.

﴿والله هو الغنيُّ الحميدُ﴾؛ أي: الذي له الغنى التامُّ من جميع الوجوه؛ فلا يحتاجُ إلى ما يحتاجُ إليه خلقُه، ولا يفتقرُ إلى شيءٍ مما يفتقرُ إليه الخلقُ، وذلك لكمال صفاتِهِ، وكونِها كلها صفاتِ كمال ونعوتَ جلال، ومن غناه تعالى أنَّه أغنى الخلقَ في الدُّنيا والآخرة، الحميدُ في ذاته، وأسمائِهِ؛ لأنَّها حسنى، وأوصافه؛ لكونها عليا، وأفعاله؛ لأنَّها فضلٌ وإحسانٌ وعدلٌ وحكمةٌ ورحمةٌ، وفي أوامره ونواهيه؛ فهو الحميدُ على ما فيه، وعلى ما منّه، وهو الحميدُ في غناه، الغنيُّ في حمده[1].

ومن دلائل فقر الناس إلى الله تعالى وحده لا شريك له:

1- أنهم فقراء إليه في إيجادهم: فلولا إيجاده إياهم؛ لم يوجدوا، قال تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ﴾.

2- فقراء إلى الله في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح: فلولا إعداده إياهم بها؛ لما استعدوا لأي عمل كان، قال تعالى: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ﴾.

3- فقراء إلى الله في إمدادهم بالأقوات والأرزاق، والنعم الظاهرة والباطنة: فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور؛ لما حصل لهم من الرزق والنعم شيء، قال تعالى: ﴿ يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ﴾ .

4- فقراء إلى الله في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد: فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم؛ لاستمرت عليهم المكاره والشدائد.

5- فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس التدبير.

6- فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم: وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك؛ لهلكوا، وفسدت أرواحهم، وقلوبهم، وأحوالهم.

7- فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم: فلولا تعليمه؛ لم يتعلموا، ولولا توفيقه؛ لم يصلحوا.

8- فقراء إلى الله في عفوه عنهم، ومغفرته لهم، وستره عليهم.

9- فقراء إلى الله في قبول أعمالهم، وإدخالهم الجنة برحمته.

وهذا يثمر في قلب المؤمن الغنى القلبي، وعزة النفس، والتعفف والزهد عما في أيدي الناس، وعدم التذلل لهم، وعدم التعلق بأعطياتهم؛ بل يجرد العبد تعلقه، وقضاء حوائجه، وطلب رزقه بالله الغني الحميد، الكريم الوهاب، الذي لا تفنى خزائنه، فما أسعد من تعفف عن الناس، واستغنى بربه سبحانه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر»[2].

اللهم اجلعنا افقر عبادك إليك، واغننا بفضلك عمّن سواك.


[1] تفسير العلامة ابن سعدي (رحمه الله).

[2] رواه البخاري