«حين يخرج  الفساد “التقليدي” من الباب … ويدخل فساد “الياقات البيضاء” من النافذة؟»

  • — الثلاثاء ديسمبر 30, 2025

لا ينتهي الفساد  عندما تتراجع شبكة فسادٍ تقليدية أو تُستبدل نخبةٌ بيروقراطية قديمة.
الواقع المؤسسي يُعلّمنا أن الفساد لا يموت دائماً؛ أحياناً يغيّر جلده فقط.
فإذا انحسرت الرشوة المباشرة، وقلّت (الوساطات) الفجّة، قد تنشأ طبقةٌ جديدة أكثر هدوءاً ودهاءً: فساد الياقات البيضاء.  الفساد الذي يلبس بدلةً أنيقة، ويتكلم بلغة الأرقام، ويُتقن صناعة (التقارير) و (المؤشرات) و (التحليلات)، ويعرف كيف يلتقط ما يريد عبر الأنظمة نفسها، لا خارجها.

المفارقة أنّ هذا النوع قد يكون أشدّ خطراً لسببين:
1. لأنه يُغلّف نفسه بشرعيةٍ شكلية، وبمفرداتٍ تبدو (علمية).
2. لأنه يجعل المجتمع يدفع الثمن على شكل ديونٍ متراكمة ورسومٍ وتكاليف خفية ومنتجات سيئة وفرصٍ ضائعة، بينما تتراكم الثروات في الأعلى عبر رواتب ضخمة وبونصات ومكافآت وترقيات.

ولكي نفهم (كيف) يحدث هذا، نحتاج أن ننتقل من سؤال: من الفاسد؟ إلى سؤال أدق: ما هي الآليات التي تسمح للفساد الجديد أن يعمل وهو يبتسم أمام الكاميرا؟

1) من (رشوة مباشرة) إلى (هندسة مؤشرات)

الفساد التقليدي واضحٌ لأن أثره فوري: مبلغٌ يُدفع مقابل خدمة. أما فساد الياقات البيضاء فغالباً ما يبدأ من المؤشرات: تُختار الأرقام وتُخفى الأرقام التي تكشف الكلفة الحقيقية. هنا يظهر مبدأ معروف في علم القياس: عندما تتحول (المقاييس) إلى (أهداف)، تتشوه السلوكيات كي تحقق الرقم لا الحقيقة. هذا المعنى يُشار إليه كثيراً في الأدبيات المرتبطة بما يُعرف *بقانون ”غودهارت“ بصيغته الشائعة: ”عندما يصبح القياس هدفاً، يتوقف عن كونه قياساً جيداً“. 

في بيئاتٍ كهذه، قد ترى إدارةً (تحقق المستهدف)، لكنها تؤجل (الاستثمارات) الضرورية، وتضغط الجودة، وتقصّ من الصيانة والتطوير، فقط كي يلمع (المنحنى) في العرض التقديمي. وقد ناقشت أدبيات (قصر النظر المؤسسي) أن ضغط (الأرباح) القصيرة الأجل يدفع سلوكيات (تجميل النتائج) (والنجاحات السريعة) على حساب القيمة طويلة الأمد. 

2) «الأرقام المضللة»: حين تضيع الحقيقة بين الأرقام .

تُستخدم الأرقام لتقديم صورة (أجمل) من الواقع عبر استثناءات وانتقائية في البنود.
هنا يولد (فساد الياقات البيضاء) في صورته الناعمة:
•تغيير تعريف المؤشر دون أن يشعر الجمهور.
•نقل التكاليف من خانة إلى أخرى لتبدو الهوامش أعلى.
•تضخيم “النجاحات” عبر اختيار فترة زمنية انتقائية أو مقارنة غير عادلة.

الخطر ليس في الرقم نفسه، بل في سلطة الرقم عندما يُقدَّم كأنه الحقيقة الوحيدة.


د. شاكر الشريف | ٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥ | @salshareef2030