الحقيقة حول الهراء الاداري

  • — الخميس يناير 08, 2026

« الحقيقة حول الهراء الاداري»

نادراً أن يظهر كتاب صريح جدا ويقول الحقيقة بلا مجاملة ولا مواربة، يجعلنا نضحك بمرارة لأننا نعرف أن ما يقال هو بالضبط ما نشعر به منذ زمن.

في كتاب” الحقيقة حول الهراء… مكالمتك مهمة بالنسبة لنا Your Call Is Important to Us: The Truth About Bullshit”؛ فهو لا يكتفي بوصف الهراء، بل يشرح كيف اصبح نظاما كاملا للإدارة في هذا القرن، بأسلوب ساخر دقيق ومزعج وصادق إلى حد يجعل المرء يتساءل : كيف صار الأمور إلى هذا الهراء الاداري؟

توضح  الكاتبة “Laura Penny” أن الهراء لم يعد خللا عرضيا في الخطاب الاداري بصورة عامة، بل تحول إلى آلية تشغيل كاملة؛ اجتماعات بلا قرارات، استراتيجيات بلا أولويات، شعارات بلا صلاحيات، وخطابات مصقولة مصممة خصيصا لمقاومة الأسئلة الجادة. هذا النوع من اللغة لا يهدف إلى الكذب المباشر، بل إلى التعويم.

كلام لا يمكن محاسبته، ولا يمكن البناء عليه، ولا يمكن الاعتراض عليه، لأنه ببساطة لا يقول شيئا محددا بل هراء. ينطبق عليه كلام الناظم حين قال:
إني لأفتح عيني حين أفتحها … على كثير ولكن لا أرى أحدا

فكثير من المؤسسات لا تعاني من نقص في الطموح، بل من فائض في الخطاب والهرج والتصوير؛
رؤى استراتيجية، تحولات كبرى، تمكين، ابتكار، مرونة، وثقافة مؤسسية؛ المفردات حاضرة بكثافة، لكن السؤال الإداري الجوهري غالبا غائب:

من يقرر؟
من يملك الصلاحية؟
ومن يتحمل المسؤولية؟

كثير من الحالات، تستورد لغة الإدارة الحديثة من دون استيراد بنيتها، فيتحول المدير/الوزير إلى مروج خطابات، لا صاحب قرار، ويتحول الموظف إلى منفذ مطالب بالحماس لا بالمشاركة، وتتحول الاجتماعات إلى مسرح لغوي أنيق يخفي خواء مؤسسيا خطيرا.
وأصبحت الاجتماعات نشاطا إداريا قائما بذاته.
اجتماع للتخطيط، اجتماع للتنسيق، اجتماع للمراجعة، ثم اجتماع لمناقشة مخرجات الاجتماع السابق؛
لا قرارات، ولا مسؤوليات واضح، ودون جدول زمني ملزم، وعلى المكاتب الاستشارية قياس الاداء وفق مؤشرات تحقيق المستهدفات.

هذا النمط ليس صدفة، بل استخدام للغة كوسيلة تأجيل. كلام كثير، التزام قليل، وأثر ضعيف غير ملموس. وعند أول قرار حقيقي يعود كل شيء إلى المسؤول الأول المؤسسة.

أسمع جعجعة ولا أرى طحنا

أخطر ما تكشفه أن الهراء ليس مجرد ضعف لغوي، بل هروب من الشجاعة في قول لا، في تحديد الأولويات، في الاعتراف بأن بعض المبادرات فشلت ولن تصل لتحقيق المطلوب منها.

حين تغيب الشجاعة الادارية، تصبح اللغة أداة تخدير لا أداة قيادة. وتخلط الإيجابية بالإنكار، والتحفيز بالضغط، والتمكين بالشعارات، والنتيجة ثقافة عمل مرهقة، وكفاءات صامتة، وقرارات عشوائية، وأعمال مؤجلة حتى تتحول إلى أزمات أو كوارث.

كم فكرة صائبة تموت في مؤسساتنا لأنها جاءت من موظف صغير، أو من خارج الدائرة الضيقة للقرار؟

هذا الكتاب ليس هجوما على لغة الادارة بل دفاع عنها، بوصفها فن وعلم وأداة قرار لا ديكورا إداريا.
وفي زمن التحولات التي نعيشها، قد يكون أخطر فشل محتمل هو أن نتقن الكلام قبل أن نتقن الفعل.

المؤسسات لا تنهار حين تخطئ، بل حين تفقد القدرة الصدق وعلى قول الحقيقة بكل وضوح، وتحمل تبعاتها والتجارب تصرخ أن القيادة التي لا تسمع لا تتعلم، واللغة التي لا تقود إلى قرار واثر ملمنوس تتحول إلى عبء وفوضى واضاعة للمال والوقت والجهد.

قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه: أحفِظ أم ضيَّع حتَّى يسأَلَ الرَّجلَ عن أهلِ بيتِه».


[منقول بتصرف]