التَّلَوُّنُ نكوصُ تذبذبٍ، وعدمُ استقرارٍ على مبدأٍ محمودٍ وخُلقٍ سويٍّ وصداقةٍ لم يُكدَّرْ صفوُها؛ تكونُ به سرعةُ رجوعِ المرءِ عن الصوابِ كسرعةِ رجوعِه عن الخطأِ.
وتلك نقيصةُ ذمٍّ؛ كثيرًا ما يُستدَلُّ بها على سوءِ المسْلكِ وفسادِ العقلِ وخداعِ الرأيِ، وبها تُوصمُ تَراجمُ المتلوِّنين حين يُقال: “وكان ذا تلوُّنٍ، أو متلوِّنًا”، وباتَ مِن عيونِ نُصحِ الحكماءِ الذي محَّضتْهُ تجاربُ الحياةِ قولُهم: “لا تُعاشِرْ متلوِّنًا”.
المتلوّنِ آراءٌه مُتقلِّبةٌ في كبرى المسائلِ والمواقفِ والأحداثِ؛ فما كان بدعةً صار يراه سنةً، وما كان يُحرِّمُه أضحى مُبيحًا له، وباتَ يَلْبِسُ لكلِّ حالٍ لباسًا حَرْبَائيًّا؛ لا يَستنِدُ على دليلٍ، أو مبدأٍ راسخٍ، أو أثارةٍ من علمٍ؛ إنما هو لباسُ هوىً؛ يَرومُ مِن ورائه تحصيلَ لَعاعةِ دنيا وبريقَ شهرةٍ واسترضاءَ مخلوقٍ!
قال الإمام ابنُ القيمِ-رحمه الله-: “الكاذبُ متلوِّنٌ؛ لأنّ الكذبَ ألوانٌ، فهو يتلوّنُ بتلوِّنَه، والصادقُ مستمِرٌّ على حالةٍ واحدةٍ؛ فإنّ الصدقَ واحدٌ في نفسِه، وصاحبُه لا يتلوَّنُ، ولا يتغيَّرُ”.
وقال شيخ الإسلام ابنُ تيميةَ-رحمه الله-: “تَجِدُ أهلَ الكلامِ أكثرَ الناسِ انتقالًا من قولٍ إلى قولٍ، وجَزْمًا بالقولِ في موضعٍ وجزمًا بنقيضِه وتكفيرِ قائلِه في موضعٍ آخر؛ وهذا دليلُ عدمِ اليقينِ”.
إنّ كثرةَ الجدالِ، وفتحَ بابِ الخصوماتِ، وجعْلَ القواعدِ والأحكام مجالًا مفتوحًا للنقاشِ وكَلًَا مباحًا للأخذِ والردِّ، وما يَجُرُّه ذلك إلى مطالعةِ كتبِ الزائغين ومواقعِهم والدخولِ على حساباتِهم في مواقعِ التواصلِ والاستماعِ لهم- مِن أعظمِ الدسائسِ التي يتسرَّبُ منها سوسُ الشكِّ لنَخْرِ الإيمانِ في القلبِ، والذي ينجمُ عنه داءُ التلوّنِ .
وكان الإمام مالكٌ -رحمه اللهُ- يقولُ: “لا تَغْبِطوا أحدًا لم يُصبْهُ في هذا الأمرِ بلاءٌ”.
إنّ السلامةَ من داءِ التلوّنِ إنما يكونُ بعصمةِ اللهِ عبدَه وتثبيتِه؛ وتلك -لَعَمْرُ اللهِ- جليلةُ نعمةٍ لا تُنالُ إلا بفضلِ اللهِ ورحمتِه، كما قال -تعالى- مخاطِبًا أعلمَ الخلقِ به وأعبدَهم له محمدًا ﷺ: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].
وسبيلُ نَيْلِ ذلك التثبيتِ الربانيِّ الذي تكونُ به العصمةُ من مَهلكةِ التلوّنِ إنما هو بمجانبةِ سبيلِ الزائغين ومعاشرتِهم، وإدمانِ سؤالِ اللهِ الهدايةَ، وامتثالِ أمرِه ونهيه، وإظهارِ الافتقارِ إليه، والاعتصامِ بوَحْيه، وتَيَقُّنِ الحقِّ الذي حَواه، واعتقادِ بطلانِ ما خالفَه وإنْ لم يُقْدَرْ على إبطالِ شُبَهِهِ؛ فتلك قاعدةُ الرسوخِ، كما قال -تعالى-: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ [آل عمران 60].
عصمنا اللهُ من داءُ التلوِّنِ وأرشادٌنا لسبيلِ النجاةِ من شرِّه المستطيرِ، وثبّتنا حتى نلقاه. آمين
