قال ﷺ «مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العائِرَةِ بيْنَ الغَنَمَيْنِ؛ تَعِيرُ إلى هذِه مَرَّةً، وإلَى هذِه مَرَّةً. [وفي رواية]: تَكِرُّ في هذِه مَرَّةً، وفي هذِه مَرَّةً» صحيح مسلم.
النِّفاقُ صِفةٌ خَبيثةٌ، وهو إظهارُ خِلافِ ما في النَّفْسِ؛ إذ يُضمِرُ المنافقُ الشَّرَّ أو الكفْرَ، ويُظهِرُ الإيمانَ وفِعلَ الخيرِ، وهو بذلك يُخْفي أمْرَه القلْبيَّ الَّذي يُوجِّهُه في الحقيقةِ، وهو بذلكَ يُمكِنُه أنْ يَفعَلَ في المجتمعِ مِن الشَّرِّ ما لا يَستطيعُ أنْ يَفعَلَه الكافرُ المجاهِرُ بكُفرِه.
وفي هذا الحديثِ يُوضِّحُ النَّبيُّ ﷺ شَأنَ المُنافِقين وصِفاتِهم؛ حتَّى يَحذَرَهمُ النَّاسُ، فيَضرِبُ النَّبيُّ ﷺ المَثَلَ للمُنافقِ بالشَّاةِ العائِرَةِ، أيِ: الَّتي تَصِيحُ بصَوتِها، المُتردِّدة بيْنَ قَطيعينِ مِن الغنَمِ لا تَدري في أَيِّهِما تَدخُلُ، وكَذلك المُنافقُ يَكونُ مَتردِّدًا مُتذَبذبًا بيْن المسْلِمين والكافرينَ، فإذا كان مَع المُؤمنينَ أَظهَرَ الإيمانَ، وإذا كانَ مَع الكُفَّارِ كانَ مَعهم ظاهرًا وباطنًا.
ومَعنى «تَكُرُّ في هذِه مَرَّةً، وفي هذِه مَرَّةً»، أي: تَذهُبُ إلى هذه مرَّةً، وإلى الأُخرى مرَّةً؛ تَصويرًا للتَّردُّدِ.
وتَشبيهُ المنافقِ بالشَّاةِ للتَّنفيرِ عن النِّفاقِ، والتَّشبيهُ مُوافقٌ لِقَولِ اللهِ تعالَى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} [النساء: 143] ، فَظاهرُهم مع المؤمنينَ وباطنُهم مع الكافرينَ، ومنهم مَن يَعترِيه الشَّكُّ؛ فتارةً يَميلُ إلى هؤلاء، وتارةً يَميلُ إلى هؤلاء، فلا هو قادرٌ على أنْ يَستمِرَّ مع هؤلاء، ولا قادرٌ على أنْ يَستمِرَّ مع هؤلاء؛ لأنَّه مُنافِقٌ. وهذا الحديثُ يُبَيِّنُ أنَّ المُنافِقَ ليْس له أُسٌّ يَبنِي عليه، ولا عَزيمةٌ يَثْبُتُ فيها، وإِنَّما يَكونُ حيثُ يَجِدُ هَواه ومَنْفَعتَه الدُّنيويَّةَ. وفي الحديث، ذمّ النفاق والمنافقين وبيان خبثهم وفساد طويتهم وسوء عملهم.
قال الإمام ابن القيم –رحمه الله- في مدارج السالكين: ” قد هتك الله –سبحانه- أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن، وجلَّى لعباده أمورهم؛ ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائفَ العالم الثلاثة في أوّل سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدّة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإنّ بلية الإسلام بهم شديدة جدًا؛ لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كلّ قالب يظنّ الجاهل أنه عِلْمٌ وإصلاحٌ، وهو غاية الجهل والإفساد… ويزعمون أنهم بذلك مصلحون {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة:12]”.
فعلى المرء المسلم أن يعتصم بالله تعالى، ويعمل بطاعته وسنة نبيه ﷺ، ويثبت حتى يسلم من النفاق وأهله وأخلاق المنافقين.
نسأل الله الثبات حتى يأتينا اليقين. آمين
